ميزان الذهب الصيني

نشر في 20-07-2026
آخر تحديث 19-07-2026 | 20:17
 د. نور محمد الحبشي

على وقع الرصاص المتطاير بين واشنطن وطهران، تقف بكين موقف الرائد الذي لا يكذب أهله، تزن الشرر المتطاير بميزان الذهب لا بعواطف الأيديولوجيا، فما كان موقفها في أتون هذه الحرب الضروس بانحياز أعمى، ولا باصطفاف مستعجل، وإنما هي «براغماتية محضة» ترتدي ثوب الدبلوماسية الوقور. 

وفي العلن، وأمام محافل الأمم، ترفع الصين صوتها بالنكير على الضربات الأميركية، مستبشعةً النيل من سيادة طهران، ومحذرة من تمزيق ما تبقى من غزل المواثيق الدولية، لكنها في دهاليز السياسة المظلمة وخلف الأبراج المغلقة، تضرب على يد الإيرانيين ضربة حازمة، تحذرهم من مغبة اللعب بالنار في «مضيق هرمز»، أو النفخ في رماد الطموح النووي الذي قد يحيل حياض المنطقة جذوة تلتهم الأخضر واليابس. 

إنها الصنعة السياسية في أبهى مظاهرها التي تبهر العيون: «إمساك العصا من المنتصف»، فلا الهوى أميركي الهوية والنزعة، ولا العاطفة إيرانية الوجهة، بل هو وجه صيني خالص لا تلتفت حدقتاه بوعي إلا صوب بوصلة المصالح الحيوية العليا.

وماذا يبتغي التنين من وراء هذا الحذر الكظوم، إلا شبكة منافع معقدة الغزل، لا يفك طلاسمها المعقدة إلا شريان الطاقة الحيوي النابض في عروقها، فاستقرار مياه الخليج، وضمان تدفق النفط بلا انقطاع، هو قضية وجود وأمن قومي لا تقبل المقايضة ولا تحتمل المواربة لدى العقل الصيني الحصيف. 

ومن هنا، تضن بكين بعلاقاتها الضخمة واستثماراتها الهائلة في حواضر الخليج العربي، وتربأ بنفسها وبثقلها الاستراتيجي أن ترهنها استجابة لنزوات طهران أو مغامراتها غير محسوبة العواقب، فالتحالفات الاقتصادية المستقرة أبقى في حسابات العواصم الكبرى من المغامرات العسكرية العابرة والمكاسب الضيقة. 

وعلى رقعة الشطرنج الكبرى، تجد الصين في انشغال الغريم الأميركي برمال الشرق الأوسط فرصة سانحة لا تُعوّض، فكلما استُنزفت واشنطن في هجير المنطقة، تنفست جبهة المحيط الهادئ الصعداء، وخفَّ الضغط الرهيب عن طوق تايوان، لتقدم بكين نفسها في خضم هذا التلاطم كحمامة سلام عاقلة تحمل غصن الزيتون، في تباين صارخ مع «شريعة الغاب» والمغامرات العسكرية الأميركية.

أما غد هذه الأزمة، فيحمل في أحشائه إرهاصات نظام جديد استيقظت فيه عواصم المنطقة على حقيقة قاسية مفادها أن المظلة الأمنية الأميركية لم تعد تقي زمهرير التحولات المفاجئة، مما يفسح المجال لبكين كي تمد حبال «هندسة أمنية» هادئة وشاملة تحوي الجميع تحت ظلالها. 

وأما طهران، فإن اعتادت خنق المضايق وتهديد خطوط الملاحة، فستصطدم بغضبة تنين قاسية قد تقوّض صرح الشراكة الاستراتيجية التي طالما تمدحت بها، فبكين لن تحرق ثوب اقتصادها العالمي لتدفئة طهران في شتائها القارس مع واشنطن، ولا يظنن أحدٌ أن عروق التنين قد تنبض بالحمية على حساب أرقام نموه السنوي الذي به قوامه وقوته. 

هكذا تدير الصين المشهد كله برصد ذكي، وجنيٍ بارد للمكاسب، ولن تتأخر غداً عن اتخاذ ورقة «كبح جماح طهران» كبطاقة تفاوضية ثقيلة تقايض بها واشنطن لتفكيك حصار الحروب التجارية الشرسة، مستندة إلى إرث معرفي يدرك أن السياسة لا تعرف الخلود للخلان، بل تدور وجوداً وعدماً مع حركة كل قطرة نفط، ورجعة كل طلقة رصاص.

back to top