بقايا خيال: مشكلتنا في منطقية «المنظور الذاتي»!

نشر في 20-07-2026
آخر تحديث 19-07-2026 | 20:16
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

منذ بداية شرارة الحرب بالخليج، أشعر وأرى أن كل من يتابع هذه الأحداث -إلّا مَن رحم ربي- يتجه نحو المعلومة المتوافقة مع اتجاهاته السياسية وخلفيته العلمية وبيئته الاجتماعية، ويتجنب المعلومة المتناقضة مع فكره أو عمّا يؤمن به، فتجده يدافع عمّا يرتاح إليه من آراء، ولا يقتنع بأي فكر آخر أو منطق مغاير، وهو ما يُطلق عليه علمياً مصطلح «المنظور الذاتي» أو (Subjective Perspectiveness).

فالغالب الأعم من الناس، في أي بلد، يرى العالم، بل هم يفضلون أن يروا العالم، من زاويتهم الشخصية، كأنهم يرتدون الحاجز الجلدي الذي عادة ما يضعه الفلاحون على جانبَي عيون الحمار أو الحصان لكي يركّز وجهته على الطريق، فلا يثير انتباهه شيء آخر.

وهؤلاء الناس يفضلون المسار المتوافق مع خبراتهم المهنية وبيئاتهم الثقافية ومشاعرهم الاجتماعية، ليقوموا بعدها بتفسير ما يجري حولهم من أحداث سياسية أو اجتماعية أو عسكرية بما يتوافق مع خبراتهم وبيئاتهم ومشاعرهم. وليس في هذا ما يعيب، لأنهم يفسرون الأحداث والواقع حسب تفسيراتهم هم، ووفقاً لما يتناسب مع زاويتهم الفردية، حتى لو كانت بعيدة عن الموضوعية المحايدة.

هذه النوعية من الناس ترى الأشياء من زاويتها الشخصية البحتة ومن منظورها الذاتي، فتفهم الأشياء وتفسّر الأحداث وتكيّف تحليلاتها تجاه هذه الأشياء والأحداث حسب خبرتها الشخصية، حتى لو اختلفت عن غيرها من الناس في فهم الأشياء نفسها أو تفسير الأحداث نفسها أو تحليل الأوضاع نفسها. فهذه النوعية من الناس تنحاز إلى تجاربها الحياتية الشخصية ومعتقداتها الدينية واتجاهاتها السياسية. ولهذا لا أستغرب من سلوكيات فكرية لأناس يتصفون بمثل هذه الصفات، فتكون تفسيراتهم للأمور متطابقة مع قيمهم الاجتماعية ومتوافقة مع خبراتهم الحياتية، وتعزز مخاوفهم وحتى ملاذاتهم الانتمائية النابعة من عمق المعتقد أو أصل العرق.

ولو كان لديك على واتساب أو تويتر أو فيسبوك مئات المتابعين من المتنوعين في تحصيلهم العلمي والمختلفين في خبراتهم الإدارية والمتباينين في توجهاتهم الحزبية والمتبعثرين في انتماءاتهم السياسية والمتشددين في معتقداتهم الدينية والمتباعدين في اهتماماتهم الاقتصادية، وأرسلت إليهم مقطع فيديو لمشهد مضحك، لما اتّفقوا كلهم على وجهة نظر واحدة. 

ولهذا أقول إنه مع مرور الوقت، ومن التجارب الإعلامية المتنوعة، اكتشفت أن أغلبية من يحومون حولي من الزملاء والأهل والأصدقاء كل منهم يفسّر نفس الموضوع، أو «مضمون مقطع الفيديو»، حسب منظوره هو، حتى لو لم يتفق مع مصالحه الشخصية، تماماً كما نرى كأس الماء بأنها نصف ممتلئ، بينما يرى آخرون أنه نصف فارغ، فالنتيجة تعتمد على البيئة التي عاشها كل من شاهد الفيديو أو نظر إلى كأس الماء من زاويته هو.

وكل واحد من هؤلاء يختار محطة إخبارية تلفزيونية معيّنة لكي يتسمّر أمامها لساعات لمجرّد أنها تتوافق مع آرائه السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية، لدرجة أنه لا يريد أن يستمع إلى أي وجهة نظر مغايرة لما يؤمن به أو يميل إليه، والأدهى من ذلك أن هذه النوعية من الناس تشعر بالراحة النفسية إذا ما وجدوا آخرين يوافقونهم الرأي أو التحليل، وينتقدون غيرهم.

back to top