أعظم وسام لطبيب

كلمة من طفلة أعادت إليّ معنى المهنة

نشر في 20-07-2026
آخر تحديث 19-07-2026 | 19:09
 د. عبدالمحسن التركي

من أجمل ما يمنح الإنسان شعوراً بالفخر والاعتزاز، ويغذّي روحه بالطاقة الإيجابية، أن يرى أثر عمله في حياة الناس، وأن يلمس رضاهم وامتنانهم. نعم، إرضاء الجميع غاية لا تُدرك، لكن يكفي أن تترك أثراً طيباً فيمن استطعت أن تساعده.

ومن أجمل ما يميز تخصص الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة أنه يرافق الإنسان في مختلف مراحل العمر؛ من حديثي الولادة إلى كبار السن، رجالاً ونساءً. وأحياناً تمتد العلاقة لتشمل الأسرة بأكملها، فتجد نفسك تعالج الأب، ثم الأم، ثم الأبناء، وكأنك أصبحت جزءاً من رحلة شفائهم.

قبل فترة، حضرت إلى العيادة طفلة لا يتجاوز عمرها سبع أو ثماني سنوات برفقة أسرتها. كنت قد أجريت لأخيها عملية جراحية كُللت بالنجاح، كما كان والدها يعاني لفترة طويلة من اضطراب في الاتزان حتى منّ الله عليه بالشفاء.

كانت الطفلة تتابع كل ذلك بصمت، ثم التفتت إليّ بعفوية وبراءة وقالت:

«دكتور... لما أكبر، أبي أصير مثلك... طبيب».

توقفت للحظة.

لم تكن مجرد كلمات خرجت من فم طفلة، بل كانت رسالة صادقة هزّت الروح قبل الجسد، وأعادت إليّ معنى هذه المهنة ورسالتها. في تلك اللحظة أدركت أن الطبيب لا يعالج المرض فحسب، بل يزرع الأمل في النفوس، ويصنع ذكرى جميلة في قلب طفل، وربما يكون سبباً في ولادة حلم يرسم ملامح مستقبله.

شكرتها من القلب، وتمنيت لها كل التوفيق، كما شكرت والديها على حسن التربية، وغرس قيم الاحترام والامتنان في ابنتهم.

وفي نهاية المطاف، قد ينسى الناس اسم الدواء، وقد ينسون تفاصيل العملية، لكنهم نادراً ما ينسون الطبيب الذي منحهم الأمل، أو الكلمة الطيبة، أو الشعور الصادق بالاهتمام.

ولعل أعظم وسام يمكن أن يناله الطبيب ليس شهادةً تُعلّق على الجدار، ولا منصباً يتقلده، بل أن يسمع من طفل صغير، بكل براءة وصدق:

«لما أكبر... أبي أصير مثلك».

عندها فقط، يدرك أن رسالته وصلت، وأن أثره تجاوز حدود العيادة وغرفة العمليات، ليبقى حياً في القلوب، وربما يمتد إلى جيل جديد يحمل رسالة الطب والإنسانية من بعده.

* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة. معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة.

 قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.

back to top