وجهة نظر: هندسة الفساد

نشر في 20-07-2026
آخر تحديث 19-07-2026 | 17:59
 د. أحمد الكواز

يعرّف الفساد بأنه سوء استخدام السلطة المُؤتمن عليها طرف أو أطراف معينة، لتحقيق مكاسب خاصة. وغالباً ما يُربط الفساد بالملكية العامة، وهو خطأ شائع، لأن أطراف الفساد هي الراشي والمرتشي والرائش (أي الوسيط).

 وأن جميع هذه الأطراف، عملياً، قد تمثل الملكيات العامة أو الخاصة، وإن استبعاد قيم الفساد من دائرة التدفقات الاقتصادية الكلية للدولة، يترتب عليه تقليل مقصود، ومضرّ، وغير مشروع لأداء الاقتصاد المعني في مجالي النمو وتوزيع الدخل لمستحقيه.

وتزخر أدبيات البنك الدولي بتشخيص مواطن وأشكال الفساد بدورة العديد من المشروعات الممولة من البنك (ينفق البنك الدولي نحو 100 مليار دولار سنوياً على القروض والمنح الموجهة لقطاعات النقل، والطاقة، والمياه، وغيرها. ووفقاً لأحد تقارير البنك Elite Capture of Foreign Aid: Evidence from Offshore Bank” Accounts، والترجمة: استحواذ النخبة على المساعدات الخارجية، أدلّة من الحسابات المصرفية في الخارج»، وتصل نسبة التسرب للفساد حوالي 7.5% من هذه القروض والمنح).

وفي ظل تعقد آليات وشبكات الفساد، وما تحتاجه من مهنية عالية ومعقدة في غسل أموال الفساد،   يصحّ أن يطلق على هذه الآليات وتخصصاتها المختلفة «هندسة الفساد Corruption Engineering» للإشارة إلى التخطيط الممنهج، والتوجيه، والأنظمة، للأنشطة غيرالمشروعة أو المنظومات الفاسدة، وما يتطلبه الأمر من قدرات، سواء كانت قانونية، أو هندسية، أو مالية، أو غيرها من التخصصات التي تتعامل معها مختلف المشروعات، وقدرة عالية على الاستفادة من الثغرات Loopholes. ويصحّ، بنفس القدر، أن يُطلق على من يعمل في هذا المجال مصطلح «مهندسو الفساد Corruption Engineers، الذين تتوفر فيهم هذه القدرات المهنية عالية التدريب، والعاملين خلف مسميات وظيفية رسمية وغير رسمية. إن التعمق داخل الآلية التي تعمل بها هندسة الفساد يمكن أن يحدد مفهوم ما يصح أن يسمى مشروع الفساد Corrupt Project، وبما يتضمنه، شأنه شأن أي مشروع، من العديد من التدفقات الداخلية الفاسدة Corrupt Inflows، والعديد من التدفقات الخارجية الفاسدة Corrupt Outflows، وما ينتج عنها من مؤشرات لتقييم المشروع ذات محتوى معين من الفساد، مثل صافي القيمة الحالية NPV، ومعدل عائد داخلي IRR، وغيرها من االمعايير.  

ومن المهم التنبيه، والوعي، بأن هندسة الفساد، ومهندسيها، يعود وجودهما وتناميهما إلى حقيقة الخلل في اختيار متخذي القرارات، على المستويين المحلي والإقليمي أساساً، وهما المتسببان في الفساد، بسبب التراخي في تطبيق الأنظمة الدولية في مجالات الحوكمة Governance، والشفافية Transparency، وحكم القانون Role of Law، والمساءلة Accountability، وتضارب المصالح، و(تفصيل) هياكل إدارية عادة ما تتزامن مع وصول العديد من متخذي القرارات الجدد إلى مناصبهم تسمح لبيئة الفساد بالعمل، وتواضع خبرات أعضاء العديد من مجالس الإدارات أو ما يعادلها، أو عدم الرغبة لأسباب عديدة، في متابعة قرارات المديرين العامّين. ويصعب في الحالات التي تتجسد بها رئاسة سلطة مجلس الإدارة (المسؤول عن توجيه القيادة والرقابة على الأداء وتمثيل أصحاب المصالح) ورئاسة الإدارة التنفيذية (المدير العام) بنفس الشخص، يصعب ضمان الحوكمة وفصل السلطات، والتي تعتبر، بدورها شروطا أساسية لمحاربة الفساد (وتتبع أغلب الدول محلياً، على مستويات شركاتها، مثل هذا النوع من الفصل. كما تتبع المنظمات الدولية والإقليمية هذا الفصل أيضاً. حيث تفصل منظمة الأمم المتحدة بين رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة وبين رئيس الجهاز التنفيذي، الأمين العام. ويفصل صندوق النقد الدولي بين مجلس المحافظين، السلطة الرقابية، والمدير العام، السلطة التنفيذية. ويوجد بالبنك الدولي منصب رئيس مجموعة البنك الدولي، وهو منصب منفصل يتولى رئاسة مجلس المديرين التنفيذيين وإدارة البنك. ورغم وجود بعض المنظمات الدولية غير الحكومية (الصغيرة) التي تسمح لوائحها الداخلية بدمج منصبي الرقابة والإشراف مع منصب الإدارة التنفيذية، فإن هذا الأمر مخالف لأنظمة الشركات والمنظمات الدولية السائدة. 

إن نتائج هندسة الفساد تمثل فرصاً ضائعة على الاقتصاد Opportunity Costs باعتبارها شكلا من أشكال الحيّز المالي Fiscal Space الضخم غير المُستغل (والذي قد يُغني عن اللجوء للاقتراض، والذي أصبح للأسف طريقاً آنياً سهلاً وبديلاً عن الجهد الحقيقي للإصلاح) يتم تحويلها من المالية العامة إلى الخاصة داخل الجهة المعنية. وتمارس هذه النتائج تأثيرها السلبي على الأداء الاقتصاد الكلي المحلي (الناتج المحلي الإجمالي (GDP، وعلى أداء الاقتصاد القومي بعد إضافة التعامل مع بقية أنحاء العالم للناتج الأخير (الدخل القومي الإجمالي GNI). 

وسنستعرض، هنا، عيّنة من أشكال هندسة الفساد، على المستوى الاقتصادي الكلي. أولاً، من خلال التلاعب بقيم الواردات والصادرات. ويتم ذلك من إمكانية المقيمين (يشير مفهوم المقيم بالمعنى الوارد في الحسابات القومية إلى من يقطن في الإقليم الاقتصادي التابع لدولة معينة، وله مصلحة اقتصادية مع هذه الدولة) في دولة معينة من المغالاة بقيم الواردات، وتقليل قيم الصادرات. ولغرض تقصّي إمكانات الفساد في تحديد هذه القيم، فإنه يتم مقارنة قيم صادرات الدولة النامية لبقية أنحاء العالم مسعّرة بقيمة فوب FOB (أي السعر على ظهر الناقلة في ميناء البلد المُصّر) بالدولار الأميركي، مع قيم واردات بقية أنحاء العالم من الدولة المعنية بالدولار أيضاً، بعد أخذ تكاليف الشحن والتأمين بنظرالاعتبار.

وكذلك يتم التحقق من إمكانية وجود الفساد في تحديد قيم صادرات الدولة المعنية من خلال مقارنة قيم واردات الدولة المعنية من بقية أنحاء العالم، صافية من تكاليف الشحن والتأمين، مع صادرات العالم لهذه الدولة. وتتحدد قيمة التلاعب بقيم فواتير الصادرات والواردات من خلال معادلة مقترحة من قبل Global Financial Integrity (موقع النزاهة المالية العالمية). 

ثانياً: لتقصي تدفقات رأس المال، بين بلد معين وبلد أو بلدان أخرى، تقوم إسهامات البنك الدولي (من خلال ما يطلق عليه البنك النموذج المتبقي The World Bank Residual Model) بمقارنة بين قيم التدفقات الرأسمالية الداخلة (الموارد)، مع قيم التدفقات الرأسمالية الخارجة (الاستخدام). 

 وتتضمن الموارد: التغير في المديونية الخارجية للقطاع العام، وصافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، أما الاستخدام فيتضمن: عجز الحساب الجاري الذي يُموّل من تدفقات حساب رأس المال والإضافة على احتياطيات البنك المركزي. وتشير زيادة الموارد عن الاستخدامات إلى فقدان لرأسمال غير مسجّل، الذي يشير بدوره إلى تدفقات رأسمالية خارجة غيرشرعية  Illicit. 

ثالثاً: تعقب القيم السالبة (الضخمة) لبند «السهو والخطأ» بميزان المدفوعات، فوفقاً لهذا الأسلوب، ينظر لبعض مكونات قيم الخطأ والسهو الكبيرة، وذات القيمة الصافية السالبة، على أنها مؤشر للتدفقات المالية الخارجية غير الشرعية. وتأخذ الصياغة الموسّعة لهذا الأسلوب، بالإضافة إلى قيم الخطأ والسهو المشار إليها، التدفقات الرأسمالية الخاصة قصيرة الأجل، والتي لا توثّق قيمها في الغالب لدى صندوق النقد الدولي. وهناك نسب معينة متعارف عليها دولياً، كنسبة من التدفقات المالية الخارجية، لبند الخطأ والسهو، والتي في حالة تجاوزها لابد من قرع الجرس لبذل جهود خاصة للتحليل الدقيق لهذا البند. 

رابعاً: تعقب الفساد الضريبي، حيث تعتمد المنهجية المتبعة هنا لتقدير الفساد الضريبي على تلك المقترحة من قبل الاقتصادي الجورجي، ووزير الاقتصاد السابق بابافا V. Papava، والتي تعتمد بدورها على مقارنة قياس العوائد الضريبية (الفعلية) في ظل الفساد، مع تلك (المحتملة) في ظل انتفاء الفساد. ويعكس الناتج المحلي الإجمالي المحتمل حساب الناتج بعد استبعاد الواردات لكون جميع الضرائب المفروضة على التجارة الخارجية مرتبطة بالواردات، بالإضافة إلى أخذ سعر الصرف بعين الاعتبار، بهدف تحويل قيمة الواردات من العملة الأجنبية إلى المحلية، لمعرفة مدى تأثير ذلك على حساب العوائد الضريبية. وبناءً على ذلك يقترح بابافا صياغة معينة لتقدير الفساد الضريبي.

ختاماً، لقد آن الأوان في كافة البلدان والمنظمات المعنية أن تلتفت، وبجدّية، ومن قبل مؤهلين مستقلين وحياديين مشهود لهم بالكفاءة المهنية، كل حسن تخصصه، إلى محاربة كل آليات هندسة الفساد ومهندسي الفساد، محلياً وإقليمياً، خدمة لاستغلال الموارد الضائعة على هذه البلدان وتلك المنظمات، وبالشكل الذي يقلل الحاجة، إن لم ينفيها، للقروض وضغوط الإنفاق المالي، وصولاً إلى اقتصادات أكثر نزاهة واستدامة. إن التطورات الاقتصادية الدولية الحالية، والمتوقعة، لا تعمل لصالح البلدان النامية، خصوصاً الريعية. وهو الأمر الذي يُلقي المزيد من المسؤولية تجاه إصلاح اقتصادي مؤسسي وهيكلي يهدف، ضمن أهداف أخرى، إلى اجتثات مفهوم هندسة الفساد، ومحاربة مهندسيه، ضمن الأطر القانونية المستقلة.

back to top