دراسة: قراءة في تعديلات مرسوم «مؤسسة البترول الكويتية»

• بعد إلغاء الرقابة المسبقة يجب أن تكون «اللاحقة» قوية واحترافية
• ترسية المناقصات وإبرام العقود لهما جانب تشغيلي مهم في عمل المؤسسة

نشر في 19-07-2026
آخر تحديث 18-07-2026 | 18:56
No Image Caption

صدر مؤخراً المرسوم بقانون رقم 67 لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 1980 بإنشاء مؤسسة البترول الكويتية. وهذا المرسوم احتوى على مجموعة من التعديلات الجوهرية، التي ستناقشها هذه الدراسة وتحاول تحليلها وتفنيدها من الناحية القانونية.

أولاً: الاختصاصات والحوكمة 

استبدل المرسوم رقم 67 لسنة 2026 نصي المادتين (14,16) من قانون الإنشاء، فنقل بعض الاختصاصات المقررة للمجلس الأعلى للبترول إلى مجلس إدارة المؤسسة، لعل من أهمها إقرار لائحة خاصة بقواعد وإجراءات وأحكام طرح وترسية وإبرام عقود المؤسسة والشركات المملوكة لها، باستثناء الخاضعة لقانون المناقصات العامة رقم 49 لسنة 2016.

ولعل هذا التعديل يهدف إلى رسم خطوط واضحة لكل من عمل المجلس الأعلى، المختص بالسياسات العامة وعمل مجلس إدارة المؤسسة، المتعلق أكثر بالجانب التنفيذي، إذ اعتبر المرسوم أن إقرار لائحة خاصة بقواعد وإجراءات وأحكام طرح وترسية وإبرام عقود المؤسسة والشركات المملوكة لها - ذو طابع تنفيذي أكثر من كونه يتعلق بالسياسات العامة.

غير أن اعتبار إقرار هذه اللائحة من الأمور التنفيذية البحتة التي تختص بها المؤسسة، يعدّ-مع وجاهته- رأياً مثيراً للنقاش، إذ قد يقول قائل: إن اللائحة الخاصة بقواعد الترسية وإبرام العقود هي بطبيعتها أقرب إلى مفهوم السياسات العامة، التي يضطلع بها المجلس الأعلى منها إلى كونها جانباً تنفيذياً، والجانب التنفيذي يكون -عادة- في إطار تنفيذ اللائحة، كإصدار وثائق المناقصة، وتقييم العروض، والترسية. في حين هناك من يرى أن اللائحة تعدّ مهمّةً وسطاً بين المهّمتين، إذ هي إطار تنظيمي يضع قواعد عامة مجردة مختلفة عن طبيعة السياسات العامة الجوهرية، كما أنها بعيدة عن الإطار التنفيذي. 

وبالموازنة بين هذه الآراء أجد نفسي أميل إلى الرأي الذي أخذ به المرسوم في اعتقاده أن إقرار اللائحة هو أقرب إلى السياسة التشغيلية operational policy منها إلى السياسة العليا للدولة state public policy، لأن ترسية المناقصات وإبرام العقود لهما جانب تشغيلي مهمّ في عمل المؤسسة، لا يدرك أبعاده إلا المضطلع بالجانب التنفيذي في المؤسسة، وهو إدارة المؤسسة نفسها.

ثانياً: مرونة والتزام ورقابة 

أقرّ المرسوم رقم 67 لسنة 2026 أيضاً مجموعة من التعديلات التي تؤثر على انسيابية العمل في القطاع النفطي ومرونته. وحقيقة هذه التعديلات -في مجملها- مبررة ومنطقية، وتتطابق مع طبيعة العمل النفطي، التي تتسم بالسرعة والمرونة، غير أنها مسّت جانباً من جوانب الرقابة والمسؤولية التي تخضع لها المؤسسة. 

وأهم هذه التعديلات منع الرقابة المسبقة للأجهزة الرقابية، ولا سيما ديوان المحاسبة وجهاز المراقبين الماليين، إذ إن المؤسسة -تاريخيّاً- كانت لا تخضع للرقابة المسبقة من ديوان المحاسبة وفقاً للمادة 22 من قانون الإنشاء، ثم خضعت بعد ذلك للرقابة المسبقة وفقاً لقانوني 66 لسنة 1998 و23 لسنة 2015 بشأن إنشاء جهاز المراقبين الماليين. 

ويأتي المرسوم 67 لسنة 2026، ليؤكد -من جديد- عدم خضوع المؤسسة للرقابة المسبقة من قبل ديوان المحاسبة وجهاز المراقبين الماليين، فقد نصت المادة المذكورة على أنه «لا تطبق على المؤسسة أحكام الرقابة المسبقة المقررة بمقتضى القانون رقم (30) لسنة 1964، والقانون رقم (66) لسنة 1998، والقانون رقم (23) لسنة 2015».     

والملاحظ على هذا النص أنه ركّز على ذكر القوانين وأرقامها بالتفصيل بدلاً من أن يذكر الجهات الممنوعة من الرقابة المسبقة، كديوان المحاسبة وجهاز المراقبين الماليين. ومن ثمّ، يثار السؤال الآتي: ماذا لو عُدّلت القوانين المذكورة آنفاً؟ فهل ستخضع المؤسسة لرقابة الجهازين مرة أخرى؟ لذلك كان من الأولى بالنص أن يركّز -برأينا- على منع الجهات تحديداً وبشكل واضح وصريح بدلاً من الاكتفاء بذكر أرقام القوانين، لأن القوانين قابلة للتغيير والتعديل المستمر، على عكس الجهات.

أما ما يتعلق بنقطة إلغاء الرقابة المسبقة، فإن هذا الإلغاء يهدف إلى السرعة والمرونة في اتخاذ الإجراءات اللازمة، كما نصت عليه المذكرة الإيضاحية للقانون، غير أن هذا الأمر يترتب عليه إجراءات ورقابة أشد عن طريق الرقابة اللاحقة للأجهزة الرقابية في الدولة، وخصوصاً بعد إلغاء جهاز مراقبة الأداء الحكومي، وذلك تطبيقاً للقاعدة العامة «إلغاء الرقابة السابقة يضاعف عمل الرقابة اللاحقة». 

ثالثاً: إلغاء الوكيل المحلي 

من النقاط المهمة التي أثارها المرسوم إلغاء الوكيل المحلي أو الوكيل بالعمولة في تعاقدات المؤسسة والشركات  المملوكة لها بالكامل. حيث ذكرت المادة 18 من المرسوم ما نصه: (يحظر استخدام الوكيل المحلي أو الوكيل بالعمولة للتعاقد مع المؤسسة أو الشركات المملوكة لها بالكامل. بأي شكل من الأشكال سواء أثناء ابرام العقد أو تنفيذه). 

ومفهوم هذا النص أنه يمنع الوكيل المحلي أو الوكيل بالعمولة من التعاقد مع المؤسسة والشركات المملوكة لها بالكامل اي المملوكة بنسبة 100%. 

أما الشركات التي تكون نسبة المؤسسة فيها أقل من 100% فيجوز لها التعاقد مع الوكيل المحلي أو الوكيل بالعمولة. وبالطبع النص  يسمح  للشركات المحلية أن تتعاقد مع المؤسسة  أو أحد شركاتها المملوكة لها، إذ إن الحظر موجه فقط للوكيل بالعمولة والوكيل المحلي للشركات الأجنبية.

وحقيقة الأمر أن هذه النقطة لها مجموعة من الأبعاد المهمّة التي يجب أن ينظر إليها، وتثير مجموعة من التساؤلات المهمة أولها سبب قيام المؤسسة باستبعاد الوكيل المحلي والوكيل بالعمولة والاستعاضة عنه بالتعاقد مباشرة مع الشركات الأجنبية؟ وما هي التحديات المتوقعة للقيام بهكذا إجراء؟

بالنسبة لإجابة السؤال الأول الواقع أنه يُنظر دائماً إلى التعاقد المباشر باعتباره وسيلة لتعزيز الشفافية وتقليص حلقات الوساطة، بما قد يسهم في خفض تكاليف التعاقد، وتبسيط العلاقة القانونية بين المؤسسة والمتعاقد الأصلي، وترسيخ مبدأ المساءلة المباشرة. كما أنه قد يعزز قدرة المؤسسة على التفاوض المباشر مع الشركات العالمية دون تدخل من أطراف وسيطة، وهو ما يتفق مع الاتجاهات الحديثة في حوكمة المشتريات وإدارة العقود الكبرى. وهو ما اكدته المذكرة الإيضاحية للمرسوم.

غير أن هذه المميزات تتبعها أيضاً مجموعة من التحديات ويجب أن تأخذ بعين الاعتبار، منها أن الشركات الأجنبية قد تواجه بعض الصعوبات في بداية عملها والمتعلقة بفهم التشريعات واللوائح والإجراءات المنظمة لنشاطها داخل الكويت وفي إدارة العمالة والإقامة ومتطلبات التوطين والتعامل مع الإجراءات الإدارية وتعدد الجهات المختصة. 

وأيضاً مجموعة من التحديات التي تنشأ أثناء ممارسة العقد والمتعلقة بفهم السوق المحلي والقدرة على التعاقد مع أفضل الموردين والمقاولين وفقاً للمعايير المطلوبة وبأفضل الأسعار. ولعل على رأس هذه التحديات هو كيفية وآلية التقاضي وحفظ حقوق الدولة ضد تلك الشركات الأجنبية حيث إنه يجب أن يكون هناك نظام واضح لآلية التقاضي والإعلانات القانونية والضمانات التي سيقدمها المتعاقد الأجنبي عند الإخلال بالالتزام القانوني ما من شأنه أن يكفل حفظ حقوق الدولة أمام المتعاقد.

رابعاً: شركة تجارية 

لا شك في أن أحد أهم أهداف المرسوم بقانون رقم 67 لسنة 2026 هو تحويل مؤسسة البترول إلى شركة تجارية، وهذا ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون، حيث ذكرت بوضوح  (إعادة هيكلة المؤسسة على مرحلتين. حيث تكون المرحلة الأولى انتقالية مبنية على الإبقاء على المؤسسة كما هي حالياً على أن يليها بعد ذلك المرحلة الثانية النهائية والمتمثلة بتحويل المؤسسة الى شركة تجارية تدار على أسس تجارية بحتة).

وحقيقة الأمر أن كثيراً من مواد هذا المرسوم بقانون سارت بهذا الاتجاه، لا سيّما نص المادة 1 من هذا المرسوم، التي جاء فيها (تنشأ مؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي ويكون لها شخصية اعتبارية مستقلة وتدار على أسس تجارية). كما نص المرسوم في المادة 5 صراحةً على مجموعة من المفاهيم التجارية، وعلى وجه الخصوص، أن ميزانية المؤسسة تكون على نمط الميزانيات التجارية، وأن الشركات التي تتبعها تخضع لقانون الشركات. كل هذا يؤكد التصور القادم للمؤسسة من قبل الدولة، لتكون شركة تجارية بدلًا من مؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي. 

ختاماً:

لا شك في أن المرسوم رقم 67 لسنة 2026 قد وضع بعض القواعد المهمة المتعلقة بعمل مؤسسة البترول، لعل أهمها التركيز على الجانب التجاري في المؤسسة، إلا أن جزءاً من هذه الإجراءات قد مس أحد أوجه الرقابة المهمة وهي الرقابة المسبقة لذلك يجب أن تكون الرقابة اللاحقة قوية واحترافية.

وأيضاً توصلت الدراسة إلى أن المرسوم بقانون رقم 67 لسنة 2026 قد منع الوكيل المحلي والوكيل بالعمولة من التعاقد مع المؤسسة أو إحدى شركاته المملوكة لها بالكامل.

هذا التعديل وإن كان ينظر له عموماً بشكل إيجابي فإنه يجب أن يتم النظر إليه بحذر أيضاً والتنبه لتبعات هذا الأمر والاستعداد ووضع الخطط المسبقة لمواجهة التحديات التي تم ذكرها في صدر هذه الدراسة. 

أخيراً أكد هذه المرسوم بقانون أن مؤسسة البترول الكويتية متجهة إلى تغيير كبير في طبيعتها القانونية في المستقبل القريب من كونها  مرفق عام اقتصادي إلى شركة تجارية تدار على الأسس التجارية ويعد هذا المرسوم بقانون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه.

* أستاذ القانون الدستوري والإداري- كلية القانون الكويتية العالمية

back to top