أزمة الكهرباء والحلول المؤقتة
تُشير الحملات التوعوية الأخيرة لوزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة إلى احتمال تكرار سيناريو صيف العام الماضي، حين بلغت الأحمال الكهربائية مستويات حرجة دفعت الوزارة إلى إعلان تدابير احترازية لضمان استقرار الشبكة، شملت القطع المؤقت للتيار الكهربائي عن بعض المناطق ودعوة مؤسسات الدولة لاتخاذ إجراءات صارمة لتخفيف الأحمال.
ولعل أبرز تلك الإجراءات التي مسّت كل فئات المجتمع وعكست جدّية الموقف، هي إجراءات وزارة الشؤون الإسلامية التي ألزمت المساجد بتقليص الفترة بين الأذان والإقامة وإغلاقها مباشرة بعد الصلاة. ورغم أن هذه التدابير هدفت إلى حماية استقرار الشبكة الكهربائية، فإنها بدت أقرب إلى حلول ظرفية تكشف عن خلل أعمق في نهج التعامل مع الأحمال الكهربائية.
فاليوم، وبعد مرور أكثر من عام على تلك التجربة، لم نرَ خطوات واضحة لتغييرات جذرية داخل المساجد أو المباني العامة وغيرها من المرافق، لنستشعر من خلالها وجود معالجة حقيقية لمتطلبات الأحمال العالية، ما يجعلنا أمام احتمالية تكرار ذات المشهد هذا الصيف.
ويرجع ذلك إلى النهج الذي تتبعه وزارة الكهرباء والماء، إذ تقوم سياساتها في مواجهة الأحمال المتزايدة على زيادة القدرة الإنتاجية وحثّ العملاء على ترشيد الاستهلاك عبر الحملات التوعوية. ورغم الجهود المبذولة، يظل هذا النهج محصوراً في «زيادة الإنتاج» بدلاً من التحول إلى نهج استراتيجي أكثر استدامة يقوم على «إدارة الطلب».
وتبرز أهمية هذا التحول عند النظر إلى أسباب الأحمال المرتفعة، فمعظم الاستهلاك يرتبط بالتكييف ويتزايد مع التوسع العمراني والنمو السكاني والاقتصادي. وهكذا تجد الوزارة نفسها في سباق دائم مع الطلب المتصاعد، ما يبدّد أثر الحملات الإعلامية ويؤكد الحاجة إلى تنظيم فعّال وحوكمة رشيدة.
إن مفهوم إدارة الطلب يتجاوز الحملات التوعوية التقليدية أو القطع المبرمج، فهو عبارة عن حزمة إجراءات استباقية تهدف إلى إعادة تشكيل منحنى الحمل الكهربائي بدلاً من ملاحقته. ويتحقق هذا عملياً عبر رفع كفاءة استهلاك الأجهزة والمباني وتحفيز إزاحة جزء من الأحمال إلى خارج ساعات الذروة، بما يخفف الضغط الحرج على الشبكة.
أما الفارق الجوهري لهذا المفهوم فيكمن في أثره المباشر على المستهلك. فبينما تُحمّل الإجراءات الحالية المُستهلك تبعات إرهاق الشبكة عبر تقليص الخدمات أو التلويح بالقطع، تضمن له إدارة الطلب استمرارية الحصول على احتياجاته بكفاءة أعلى واستهلاك طاقة أقل.
غير أن بلوغ مستويات هذه الكفاءة لا يمكن أن يُرتهن بالجهود الفردية لوزارة الكهرباء، وهنا تبرز الحاجة إلى التمعّن في التنسيق المؤسسي بين جهات الدولة، ومدى تفعيل الأدوات التنظيمية والأطر القانونية المتاحة لضبط هذا المسار.
* دكتوراه في نظم الطاقة من كلية لندن الجامعية (UCL) وباحث متخصص في تقاطع ملفات الطاقة والمياه والتنمية المستدامة.