في ميزان المعنى: الإسناد الحكومي... شراكة تصنع الأثر
حين أعلنت الحكومة برنامجها لحماية الأسرة، لم يكن ذلك مجرد إطلاق لمبادرة جديدة، بل رسالة تؤكد أن القضايا الاجتماعية لم تعد تحتمل الحلول التقليدية أو الجهود المنفردة، وأن نجاحها يتطلب شراكة تتجاوز حدود المؤسسات الحكومية إلى المجتمع بكل مكوناته.
وعلى مدى عقود، ارتبط تنفيذ كثير من المشروعات الحكومية بنموذج الإسناد إلى القطاع الخاص، وهو نموذج أثبت أهميته في مجالات عديدة، خاصة في المشاريع الإنشائية والخدمية والاقتصادية، لكن البرامج الاجتماعية تختلف بطبيعتها، فهي لا تحتاج إلى منفذٍ فحسب، بل إلى شريك يمتلك الثقة المجتمعية، ويفهم احتياجات الناس، ويستطيع الوصول إليهم بمرونة وفاعلية.
ومن هنا تبرز فرصة جديدة تستحق التأمل، وهي تطوير مفهوم الإسناد الحكومي للقطاع الخيري والأهلي في تنفيذ بعض البرامج الاجتماعية، ليس بديلاً عن دور الدولة، ولا منافسًا للقطاع الخاص، وإنما شريكًا مؤسسيًا يكمل المنظومة الوطنية ويضيف إليها بُعدًا مجتمعيًا يصعب تحقيقه بوسائل أخرى.
فالقطاع الأهلي والخيري في الكويت لا يبدأ من الصفر، بل يمتلك تاريخاً طويلاً من العمل المجتمعي، وخبرة تراكمية في التعامل مع قضايا الأسرة والشباب والطفولة والعمل التطوعي، إلى جانب رصيد كبير من الثقة لدى المجتمع. وهذه المقومات تجعله مؤهلاً للانتقال من دور المساندة إلى دور الشريك في تنفيذ بعض المبادرات الوطنية، وفق معايير واضحة للحوكمة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات رقابة تضمن جودة التنفيذ وتحقيق الأثر.
وليس هذا التوجه جديداً على مستوى المنطقة، فقد اتجهت بعض الدول إلى توسيع دور القطاع غير الربحي في تحقيق مستهدفات الخطط الوطنية، انطلاقاً من قناعة بأن التنمية المستدامة لا تصنعها الحكومة وحدها، بل تتحقق عندما تتكامل جهود القطاعات الثلاثة: الحكومي، والخاص، والمجتمع المدني.
إن نجاح أي برنامج حكومي لا يقاس بعدد المبادرات التي يطلقها، بل بقدرته على بناء منظومة من الشركاء يؤمنون بأهدافه، ويعملون معًا لتحقيقها، فحين يشعر المجتمع بأنه جزء من الحل، تتحول السياسات من وثائق رسمية إلى ممارسات يومية، ومن أهداف مكتوبة إلى أثر ينعكس على حياة الناس.
وفي ميزان المعنى:
إن الاستثمار الحقيقي ليس في تمويل البرامج فحسب، بل في توسيع دائرة الشراكة الوطنية، فكلما منحت الدولة القطاع الخيري والأهلي مساحة أكبر للمشاركة المؤسسية، ضمن إطار من الحوكمة والشفافية والمساءلة، ازدادت قدرة السياسات العامة على الوصول إلى المجتمع، وتحولت المبادرات الحكومية من مسؤولية جهة واحدة إلى مشروع وطني يشارك الجميع في نجاحه.