وجهة نظر: تحديات الموازنة... وتعظيم العائد الاقتصادي

كيف يمكن للكويت مضاعفة العائد الاقتصادي من منتجات المصافي والبتروكيماويات دون زيادة إنتاج النفط؟

نشر في 17-07-2026
آخر تحديث 16-07-2026 | 23:44
 طارق الوزان

التحديات الاقتصادية: بعد استثمارات تقارب 70 مليار دولار... ما الخطوة التالية؟

استثمرت الكويت خلال العقدين الماضيين ما يُقدَّر بنحو 70 مليار دولار في بناء منظومة طاقة متكاملة شملت تطوير الإنتاج، ومشروع الوقود البيئي، ومصفاة الزور، ومرافق استيراد الغاز الطبيعي المسال، والبنية التحتية للطاقة. كما يُقدَّر أن ما لا يقل عن 40% من هذه الاستثمارات انعكس إنفاقاً داخل الاقتصاد المحلي عبر أعمال الهندسة والإنشاءات، والخدمات، والمشتريات، وسلاسل التوريد، بما وفر أثراً اقتصادياً مباشراً خلال مرحلة التنفيذ.

ومع اكتمال هذه الدورة الاستثمارية، دخلت الكويت مرحلة اقتصادية مختلفة. فلم يعد التحدي الرئيس يتمثل في بناء أصول جديدة، وإنما في تعظيم العائد الاقتصادي من الأصول التي أُنشئت بالفعل، فالاستثمار في البنية الأساسية يمثل الخطوة الأولى فقط، أما القيمة الاقتصادية الحقيقية فتتحقق عندما تتحول تلك الأصول إلى قاعدة إنتاجية وصناعية قادرة على خلق قيمة مضافة وصادرات ووظائف وإيرادات مستدامة.

ومن هذا المنطلق، تبرز 6 أولويات استراتيجية للمرحلة المقبلة:

• استكمال مجمع البتروكيماويات في الزور لتحقيق التكامل مع المصفاة.

• تنفيذ مشروع الأوليفينات الرابع (Olefins IV) لتوفير اللقيم للصناعات التحويلية.

• تنفيذ مشروع PRIZe لإنتاج الكيماويات المتخصصة.

• التوسع في الصناعات التحويلية النهائية ذات القيمة المضافة المرتفعة.

• إنشاء مناطق صناعية متخصصة مرتبطة مباشرة بمجمعات التكرير والبتروكيماويات.

• استقطاب الشركات العالمية لنقل التكنولوجيا والتصنيع داخل الكويت.

ولا تمثل هذه المشاريع دورة إنفاق جديدة، بل تأتي استكمالاً طبيعياً لاستثمارات ضخمة أُنجزت بالفعل، بما يضاعف العائد الاقتصادي على رأس المال الوطني.

أين تتولد القيمة الاقتصادية؟

لا تتحقق القيمة الاقتصادية الأعلى عند استخراج النفط أو حتى عند تكريره، بل عند تحويل منتجات المصافي والبتروكيماويات إلى منتجات صناعية متقدمة تدخل في سلاسل القيمة العالمية.

ففي الصناعات الأساسية تكون المنافسة مرتفعة وهوامش الربح محدودة نسبياً، بينما تنتقل الحصة الأكبر من القيمة المضافة إلى الصناعات النهائية التي تعتمد على التكنولوجيا والمعرفة والابتكار والعلامات التجارية.

وتؤكد المؤشرات العالمية هذا الاتجاه، إذ يتجاوز حجم سوق الكيماويات المتخصصة 750 مليار دولار، مع توقعات باستمرار نموه خلال السنوات المقبلة، بينما تتجاوز قيمة سوق البوليمرات الهندسية 130 مليار دولار، ويزيد حجم سوق الأجهزة والمستلزمات الطبية على 650 مليار دولار. وتمثل هذه القطاعات من أعلى الاستخدامات الاقتصادية لمنتجات المصافي والبتروكيماويات بفضل ارتفاع القيمة المضافة، واستقرار الطلب، وارتفاع العائد على رأس المال.

وتملك الكويت جميع المقومات اللازمة للاستفادة من هذا التحول، فهي تمتلك:

• لقيم بتروكيماوياً تنافسياً.

• طاقة تكريرية حديثة ومتطورة.

• بنية تحتية صناعية متقدمة.

• قطاعاً مالياً يتمتع بسيولة مرتفعة.

• موقعاً جغرافياً يربط أسواق الخليج وآسيا وإفريقيا.

وبالتالي، فإن معيار النجاح الاقتصادي لم يعد يقاس بعدد البراميل المنتجة، إنما بحجم القيمة الاقتصادية المتولدة من كل برميل نفط ومن كل طن من منتجات المصافي والبتروكيماويات.

تعظيم العائد من اللقيم

يمثل اللقيم البتروكيماوي أحد أهم الأصول الاقتصادية التي تمتلكها الكويت بعد النفط الخام. ولذلك فإن طريقة تخصيصه ليست قراراً إنتاجياً فحسب، إنما قرار استثماري يتعلق بكيفية توظيف رأس المال الوطني لتحقيق أعلى عائد ممكن.

ويجب أن يستند تخصيص اللقيم إلى أربعة معايير رئيسة:

• العائد على رأس المال المستثمر (ROIC).

• القيمة المضافة المحلية.

• حجم السوق العالمي.

• المحتوى التقني.

فالهدف ليس استهلاك أكبر كمية من اللقيم، إنما تحقيق أعلى قيمة اقتصادية من كل طن يتم تخصيصه للصناعة.

وبناءً على هذه المعايير، تبرز الكيماويات المتخصصة، والبوليمرات الهندسية، والمستلزمات الطبية، وكيماويات معالجة المياه، ومواد التغليف المتقدمة، والمواد المستخدمة في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، باعتبارها من أكثر الصناعات قدرة على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة وعوائد مستقرة مقارنة بالصناعات البتروكيماوية الأساسية.

ومن هنا، ينبغي ألا يُنظر إلى مشروعي الأوليفينات الرابع وPRIZe بوصفهما مشاريع لإنتاج مواد أولية فقط، إنما باعتبارهما منصتين صناعيتين قادرتين على جذب استثمارات القطاع الخاص، والبنوك الكويتية، والشركات العالمية لإقامة منظومة صناعية متكاملة تنتج مئات المنتجات النهائية ذات القيمة المرتفعة.

ويقاس نجاح هذه المشاريع بقدرتها على زيادة الناتج المحلي، وتعظيم الصادرات الصناعية، ورفع العائد على رأس المال، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، وليس بمجرد زيادة إنتاج الإيثيلين أو البروبيلين.

وتؤكد التجارب الدولية أن الصناعات التحويلية المتقدمة تحقق من أعلى مستويات إنتاجية رأس المال، إذ يمتد أثرها إلى التمويل، والخدمات، والبحث والتطوير، والنقل، وسلاسل التوريد، بما يضاعف القيمة الاقتصادية للأصول القائمة دون الحاجة إلى زيادة إنتاج النفط.

فاللقيم ليس مجرد مادة خام، إنما رأسمال وطني محدود، وكل قرار يتعلق بتخصيصه هو في جوهره قرار استثماري يحدد مستوى القيمة المضافة التي سيحققها الاقتصاد الكويتي لعقود مقبلة.

إطار التنفيذ: شراكة بين الدولة والقطاع الخاص ورأس المال العالمي

إن تعظيم العائد الاقتصادي من الأصول النفطية لا يتطلب توسع الدولة في الاستثمار الصناعي، إنما يتطلب إطاراً مؤسسياً واضحاً يوزع الأدوار بين الدولة، ومؤسسة البترول الكويتية، والقطاع الخاص، والقطاع المالي، والشركاء الصناعيين العالميين.

ويقع على عاتق الدولة وضع سياسة صناعية مستقرة وطويلة الأجل، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، وتوفير الأراضي الصناعية والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، بما يعزز تنافسية الكويت كمركز إقليمي للصناعات التحويلية المتقدمة.

أما مؤسسة البترول الكويتية وشركاتها فيتمثل دورها في توفير اللقيم بعقود مستقرة وطويلة الأجل، وتخصيصه وفق معايير اقتصادية واضحة تضمن تحقيق أعلى قيمة مضافة من الموارد الوطنية، وربط استخدام اللقيم بالعائد الاقتصادي وليس بحجم الاستهلاك.

ويقود القطاع الخاص عمليات الاستثمار والتطوير والتشغيل والتصدير، بينما تضطلع البنوك الكويتية والمؤسسات المالية بدور رئيس في توفير التمويل طويل الأجل، وتعبئة رؤوس الأموال المحلية، وتطوير أدوات تمويل تدعم المشاريع الصناعية ذات الجدوى الاقتصادية المرتفعة.

وفي المقابل، يوفر المستثمرون والشركات العالمية التكنولوجيا المتقدمة، والخبرات التشغيلية، والبحث والتطوير، والوصول إلى الأسواق الدولية، بما يعزز اندماج الصناعات الكويتية في سلاسل القيمة العالمية ويرفع قدرتها التنافسية.

ويعتمد نجاح هذا النموذج على أربعة عناصر رئيسة: استقرار سياسة اللقيم، وكفاءة البيئة التنظيمية، وتنافسية مناخ الاستثمار، واختيار المشروعات القادرة على تحقيق أعلى عائد اقتصادي من الموارد الوطنية.

فالدولة لا يُفترض أن تبني المصانع، بل تبني البيئة التي تدفع القطاع الخاص ورأس المال العالمي إلى الاستثمار فيها. ويقاس النجاح بحجم الاستثمار الصناعي المستقطب، والقيمة المضافة المتحققة، والعائد الاقتصادي المتولد من كل طن من اللقيم وكل دينار من رأس المال الوطني.

الأثر الاقتصادي المتوقع

لا تستهدف هذه الاستراتيجية زيادة إنتاج النفط، إنما رفع إنتاجية الأصول التي استثمرت فيها الدولة خلال العقود الماضية، وتحويل منتجات المصافي والبتروكيماويات إلى صناعات تصديرية عالية القيمة.

وفي سيناريو استرشادي محافظ، يمكن لتعبئة استثمارات صناعية تتراوح بين 10 و15 مليار دولار خلال العقد المقبل أن تضيف ما بين 6 و10 مليارات دولار سنوياً إلى الناتج المحلي الإجمالي عند اكتمال مراحل التشغيل، مع زيادة الصادرات الصناعية غير النفطية بنحو 5 إلى 8 مليارات دولار سنوياً، وذلك بحسب نوع الصناعات المختارة، ومستوى التكامل المحلي، والطاقة التشغيلية للمشروعات.

ويمتد أثر هذا التحول إلى تنشيط قطاعات التمويل، والخدمات اللوجستية، والهندسة، والتأمين، والبحث والتطوير، وسلاسل الإمداد، بما يرفع إنتاجية الاقتصاد ويولد آثاراً مضاعفة تتجاوز حدود القطاع الصناعي نفسه.

كما يسهم في زيادة أرباح الشركات الوطنية، وتعزيز دور البنوك الكويتية في تمويل المشاريع الإنتاجية، ورفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، وزيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية، الأمر الذي يدعم خفض العجز المالي تدريجياً ويحد من الحاجة إلى الاقتراض.

وتشير التجارب الدولية إلى أن الصناعات التحويلية المتقدمة تعد من أكثر القطاعات قدرة على تحقيق مضاعفات اقتصادية مرتفعة، لأنها تجمع بين التكنولوجيا، والابتكار، والصادرات، والوظائف عالية المهارة، وهو ما يجعلها محركاً رئيساً للنمو الاقتصادي المستدام.

وعليه، فإن نجاح هذه الاستراتيجية لا يقاس بحجم الاستثمارات المستقطبة فقط، إنما بقدرتها على تحويل كل دولار مستثمر إلى قيمة مضافة أعلى، وصادرات صناعية أكبر، وإيرادات عامة أكثر استدامة، وعائد أعلى على رأس المال الوطني.

الاستنتاج

دخلت الكويت مرحلة اقتصادية جديدة. فبعد إنجاز استثمارات ضخمة في الإنتاج، والتكرير، والبتروكيماويات، أصبح التحدي الحقيقي هو تحقيق أعلى عائد اقتصادي من هذه الأصول، وليس بناء أصول إضافية.

وتؤكد هذه الورقة أن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر زيادة إنتاج النفط، وإنما عبر تعميق سلاسل القيمة الصناعية، وتوجيه اللقيم نحو الصناعات الأعلى إنتاجية، وبناء شراكات فعالة بين الدولة، ومؤسسة البترول الكويتية، والقطاع الخاص، والقطاع المالي، والشركات العالمية.

ويمثل مشروع الأوليفينات الرابع ومشروع PRIZe فرصة استراتيجية لتحويل الكويت من مُنتج للمواد الأساسية إلى مركز إقليمي للصناعات التحويلية المتقدمة، شريطة أن يكون هدفهما النهائي بناء منظومة صناعية متكاملة تعظم القيمة المضافة لكل طن من اللقيم، وتربط الموارد الوطنية بالصناعات الأكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

لقد نجحت الكويت في بناء الأصول، لكن المرحلة المقبلة تتطلب بناء القيمة.

ولم يعد السؤال الذي ينبغي أن يقود السياسات الاقتصادية: كم ننتج من النفط؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كم قيمة اقتصادية يولد كل برميل؟ وكم قيمة مضافة يحقق كل طن من اللقيم؟ وكم عائداً يحقق كل دينار من رأس المال الوطني؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد قدرة الكويت على بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وأكثر إنتاجية، وأكثر استدامة للأجيال القادمة.

* باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية

back to top