إذا كان الجزء الأول قد حاول قراءة الإنسان من خلال كرة القدم، فإن هذا الجزء يحاول قراءة الدول من خلال البطولة نفسها، فالمونديال ليس مجرد ملاعب ولا منافسة على كأس، بل منظومة متكاملة تكشف طريقة عمل المؤسسات، وحجم تأثير الإعلام، وحدود استقلال الرياضة واستغلالها، وقدرة الدول على تحويل حدث رياضي إلى مشروع حضاري أو سياسي أو اقتصادي.

المحطة الأولى... الفيفا... قانون واحد أم موازين متعددة؟

تقوم الرياضة على قاعدة جميلة؛ أن الجميع يقف أمام القانون نفسه، وأن الحكم لا يعرف اسم الدولة ولا حجم اقتصادها ولا نفوذها السياسي، لكن الواقع كثيراً ما يفرض سؤالاً مختلفاً.

Ad

نحن في الكويت دفعنا ثمناً باهظاً عندما أوقفت الكرة الكويتية سنوات طويلة، بسبب ما اعتُبر تدخلاً حكومياً في الشأن الرياضي، وحُرم اللاعبون والجماهير من المشاركة الدولية.

وفي المقابل، تابع العالم الحضور الواضح للرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته في ملفات مرتبطة بالمونديال، وكيف أصبحت البطولة جزءاً من الحسابات السياسية والإعلامية للدولة المستضيفة، كما أثارت بعض القرارات الخاصة بإلغاء الكرت الأحمر عن المهاجم الأميركي نقاشاً واسعاً حول مدى تأثر الرياضة بالأجواء السياسية المحيطة بها.

ليست القضية اتهام دولة بعينها، وإنما سؤال عن ثبات المعيار، فإذا كان التدخل الحكومي مرفوضاً عندما يصدر من دولة صغيرة، فهل يبقى المبدأ نفسه عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى؟

إن العدالة الرياضية لا تحتاج إلى لوائح جديدة، وإنما إلى ميزان واحد لا يتغير بتغير حجم الدولة أو قوة نفوذها.

المحطة الثانية... الإعلام يصنع الرواية

انتهت مباراة مصر والأرجنتين داخل الملعب، وبدأت بعدها مباراة أخرى في الصحف، والقنوات، والاستوديوهات التحليلية، ومنصات التواصل الاجتماعي.

وقد خرج العالم بانطباع أن القرار التحكيمي جاء متحيزاً بصورة سافرة لمصلحة الأرجنتين، وانتقد كثير من المحللين والصحف الغربية، كالغارديان والإندبندنت، توسع تقنية الفيديو في الرجوع إلى لعبة بعيدة عن لحظة تسجيل الهدف، ورأى كثيرون أن التقنية خرجت عن الفلسفة التي وُجدت من أجلها.

لكن القضية بالنسبة لي لم تعد قراراً تحكيمياً فقط، فالإعلام لم يعد يروي الحدث، بل أصبح يصنع الرواية.

قد يحول الخاسر إلى بطل أخلاقي، ويجعل الفائز موضع جدل، ويمنح مباراة واحدة مساحة إعلامية تفوق أحداثاً سياسية وإنسانية أكثر أهمية.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن مصر، رغم خسارتها في النتيجة، ربحت احترام العالم، وقدمت نفسها بصورة مشرفة، بينما خرج الفيفا من البطولة وهو يواجه أسئلة صعبة حول النزاهة والشفافية وثقة الجماهير.

المحطة الثالثة... لا تحسبوه شراً لكم

قد تبدو خسارة مصر في لحظتها قاسية، لكن الأيام كثيراً ما تكشف وجهاً آخر للأحداث، فلو فاز المنتخب المصري، ثم خرج في المباراة التالية بخسارة كبيرة، لانتهت قصته كما تنتهي قصص عشرات المنتخبات في كل مونديال.

أما الطريقة التي انتهت بها المباراة فقد جعلت المنتخب المصري يتحول إلى حديث الإعلام العالمي، وإلى نموذج لفريق قاتل بشجاعة، وأحرج حامل اللقب، وخرج وسط نقاش عالمي عن التحكيم، والنزاهة، وحدود صلاحيات تقنية الفيديو.

انتقلت القضية من مجرد نتيجة رياضية إلى نقاش قانوني وأخلاقي حول سمعة الفيفا ومستقبل إدارة اللعبة، وفي كثير من الأحيان تصنع طريقة الخسارة أثراً أكبر من الفوز نفسه.

المحطة الرابعة... الأدرينالين... اللاعب الذي لم نره

بحكم عملي طبيباً، كثيراً ما أفكر في اللاعب الذي لم تلتقطه الكاميرات، إنه هرمون الأدرينالين، هرمون الإثارة والانفعال والطوارئ، ففي ثوانٍ معدودة يرفع ضغط الدم، ويزيد نبض القلب، ويشحذ الحواس، ويهيئ الجسم كله للمواجهة.

ولو استطعنا قياس كمية الأدرينالين التي تدفقت في عروق الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، بعد القرار التحكيمي الذي رآه الملايين مجحفاً بحق المنتخب المصري، لربما عجزت أجهزة المختبر عن استيعاب تلك الكمية الهائلة من الانفعال.

لكن المفارقة المؤلمة أن ذلك السيل الجارف من الأدرينالين خبا بعد ساعات، بينما بقيت غزة تنزف.

أطفال يُقتلون... ومستشفيات تُدمر... وأمهات يودعن أبناءهن كل يوم.

﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً﴾.

وأعترف بأننا لا نستطيع نحن أيضاً أن نُخرج غزة من وجداننا.

قد تنتقل نشرات الأخبار إلى حدث جديد، وقد ينشغل العالم ببطولة أخرى، لكن الجرح يبقى حاضراً في الضمير.

وليست المشكلة في الرياضة، فهي تبقى مساحة للفرح الإنساني، وإنما في قدرتنا على ترتيب أولوياتنا، حتى لا تطغى لحظة انفعال عابرة على مأساة مستمرة.

المحطة الخامسة... ممداني ونتنياهو... السياسة تدخل المدرجات

كان يقال إن الرياضة توحد الشعوب، وإن السياسة يجب أن تبقى خارج الملاعب، لكن المونديال أثبت أن الفصل بينهما أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، فقد صرح زهران ممداني بأن المنتخب المصري تعرض لظلم تحكيمي ولسرقة أحلامه، بينما قال نتنياهو إنه يشجع الأرجنتين ضد مصر، فرئيس الأرجنتين صديقه وداعم لإسرائيل.

فالرياضة اليوم لم تعد مجرد منافسة بين فريقين، وإنما أصبحت جزءاً من القوة الناعمة، وصناعة الصورة الذهنية، ورسائل الدول إلى العالم.

ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول البطولة إلى مادة للنقاش السياسي، وأن تُقرأ نتائجها وأحداثها من زوايا تتجاوز كرة القدم إلى الهوية، والتحالفات، والصراعات الدولية.

فالمدرجات ليست معزولة عن السياسة، وإنما أصبحت امتداداً لها. ولم يعد السؤال: من فاز بالمباراة؟ بل: من نجح في كسب الرأي العام العالمي؟

المحطة السادسة... الصين والأرجنتين... البطولة التي لا تُنقل على الشاشات

بينما كانت الأرجنتين تحتفل بكأس العالم، كانت الصين تخوض بطولة أخرى لا تنقلها القنوات الرياضية. بطولة المصانع... وبراءات الاختراع... والذكاء الاصطناعي... والجامعات... والاقتصاد... والفضاء.

لم يضر الصين أنها بعيدة عن منصات التتويج الكروي، ولم يؤخر ذلك مشروعها الحضاري يوماً واحداً. أما الأرجنتين فقد أبهرت العالم بكرة القدم، وأنجبت أساطير خالدة، لكنها لا تزال تواجه تحديات فساد سياسية واقتصادية وإدارية عميقة؛ من تضخم متكرر، وأزمات مالية، وتراجع في قيمة العملة، وضعف في الاستقرار المؤسسي.

وهنا يظهر الفرق بين نوعين من البطولات. بطولة تمنح شعباً فرحة تستحق الاحتفاء، وبطولة تبني اقتصاداً، وتؤسس لجامعة، وتنتج دواءً، وتطلق قمراً صناعياً، وتغير مستقبل أمة. الأمم العظيمة لا تحتقر الرياضة، لكنها تعرف أن الكأس لا تعالج الاقتصاد، ولا تبني المدرسة، ولا تطور المستشفى، ولا تصنع المستقبل.

كلمة أخيرة

قد يحمل منتخب واحد كأس العالم... لكن البطولة الحقيقية ليست فيمن رفع الكأس، وإنما فيمن عرف كيف يقرأ العالم من خلالها. لقد علمنا المونديال أن العدالة تحتاج إلى ميزان واحد، وأن الإعلام يستطيع أن يصنع رواية قد تعيش أكثر من المباراة نفسها، وأن السياسة أصبحت حاضرة حتى في أكثر المناسبات الرياضية شعبية.

كما علمنا أن الأمم لا تُقاس فقط بما تحققه في الملاعب، وإنما بما تبنيه في الجامعات، والمختبرات، والاقتصاد، والإدارة، والإنسان. الملاعب تُطوى... والمدرجات تخلو... والكؤوس تنتقل من يد إلى أخرى... أما الدروس التي تستخلصها الأمم الذكية في بناء الحضاره فهي وحدها التي تبقى.

* وزير الصحة الأسبق