المونديال... العالم على حقيقته محطات تكشف الإنسان قبل أن تكشف كرة القدم (1/2)
المونديال مرآة للعالم، ومحطاته تكشف الإنسان قبل أن تكشف كرة القدم، ففي أسابيع قليلة تجتمع الأمم والثقافات والهويات تحت أنظار مليارات البشر، فتظهر مهارات اللاعبين، وتنكشف معها طبائع المجتمعات، وتناقضات السياسة، وحدود التسامح، وقوة الإعلام، ومكانة الدين في النفوس. لذلك لا أقرأ كأس العالم باعتباره سباقاً على كأس ذهبية، إنما مختبر إنساني واسع نرى فيه العالم على حقيقته، بعيداً عن الشعارات والديباجات الإعلامية.
المحطة الأولى... الأرجنتين منتخب جميل ومجتمع غير ذلك
كنت ومازلت من المعجبين بجمال الكرة الأرجنتينية، وبعبقرية ليونيل ميسي الذي منح اللعبة سحراً خاصاً. ومع ذلك، لا ينبغي أن يحجب إعجابنا الرياضي أسئلة المجتمع الذي خرج منه هذا المنتخب.
معروف منذ سنوات أن المنتخب الأرجنتيني يخلو من اللاعبين السود، وأن آخر ظهور بارز للاعب أسود بقميصه يعود إلى سنوات طويلة. ليست التركيبة السكانية جزءاً من التفسير، إنما نظرة قطاع من الأرجنتينيين إلى هويتهم الأوروبية البيضاء، وشعورهم بالتمايز والاستعلاء عن محيطهم اللاتيني.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن عنصرية الأرجنتينيين البيض أشد تجذراً من عنصرية الأوروبيين البيض، وإن كانت أقل حضوراً في النقاش العالمي. وقد جعلنا سحر ميسي، وأنا واحد ممن استمتعوا بعبقريته، نغفل أحياناً عن رؤية هذا الوجه الآخر.
وتبدو المقارنة مع البرازيليين لافتة؛ فالمجتمع البرازيلي، على ما فيه من مشكلات، أكثر اختلاطاً وتنوعاً، وروحه الشعبية تبدو أكثر وداً وانفتاحاً. أما الأرجنتين فتقدم كرة رائعة، وفي خلفيتها أسئلة صعبة عن العرق والهوية والاستعلاء الاجتماعي.
المحطة الثانية... طفلة بحجابها تشغل دولة عظمى
من أكثر مشاهد البطولة إثارة أن تتحول طفلة لا يتجاوز عمرها ثماني سنوات، ظهرت بحجاب بسيط وهي ترافق اللاعبين، إلى عاصفة سياسية وإعلامية في فرنسا. لم تتوقف القصة عند الصحف والبرامج التلفزيونية، بل وصلت إلى البرلمان الفرنسي، وكأن مستقبل الجمهورية أصبح مهدداً بقطعة قماش تغطي رأس طفلة.
ولكي نقرأ الصورة بإنصاف، تنطلق فرنسا من مفهومها الصارم للعلمانية، وترى أن الفضاء العام يجب أن يبقى محايداً تجاه الرموز الدينية، غير أن المشكلة تظهر في انتقائية مفهوم الحرية، ففرنسا نفسها دافعت بشدة عن الرسومات المسيئة للرسول الكريم محمد ﷺ، وعدّتها حرية إعلام ورأي، رغم أنها مست مقدسات ما يقارب ملياري مسلم، وجرحت مشاعرهم في أعز ما يؤمنون به.
كيف تصبح الإساءة إلى المقدسات حقاً دستورياً، بينما يتحول حجاب طفلة إلى قضية تشغل البرلمان والصحافة والرأي العام؟ المسألة تتجاوز اختلاف الثقافات إلى ازدواجية معيار واضحة. حرية التعبير تتسع للإهانة، ثم تضيق أمام ممارسة دينية هادئة لا تؤذي أحداً.
وتزداد المفارقة مع استمرار النفوذ الاقتصادي الفرنسي، آخر بقايا الاستعمار الفج، في سبع من الدول الإفريقية. فبلدان غنية بالذهب واليورانيوم والثروات الطبيعية، مثل جمهورية مالي، بقيت من أفقر دول إفريقيا، بينما استمرت شبكات المصالح والنفوذ الاقتصادي وجعلت فرنسا من أعلى دول العالم في مخزونها الاستراتيجي للذهب ولم تنتج كيلو واحداً من أرضها!
المشكلة هنا ليست في فرنسا كدولة فحسب، إنما فيما تمثله من حضارة ترفع شعارات العلمانية في الحرية والمساواة والأخوة، ثم تسمح بتطبيقها وفق هوية الإنسان ودينه ولونه، فالمبادئ لا تكتسب احترامها من جمال كلماتها، وإنما من عدالتها واتساقها. ولعل أخطر ما في هذه الازدواجية أنها لا تسيء إلى المسلمين وحدهم، بل تسيء إلى فكرة الديموقراطية والحرية نفسها.
فالحرية التي تتسع للإساءة إلى المقدسات، ثم تضيق أمام حجاب طفلة، تفقد كثيراً من قوتها الأخلاقية، وتتحول في نظر ملايين البشر إلى حرية انتقائية تُمنح لفئة، وتُحجب عن أخرى. والمبادئ لا تُقاس بجمال الشعارات التي ترفعها الدول، وإنما بقدرتها على تطبيقها بعدالة على الجميع دون استثناء.
المحطة الثالثة... سجدة صنعت ما عجزت عنه السياسة
في الجهة الأخرى، قدمت الملاعب صوراً هادئة شديدة التأثير. سجدة شكر بعد هدف، لاعب يرفع يديه إلى السماء، دعاء قصير قبل انطلاق المباراة؛ أفعال بسيطة عبرت الحدود أسرع من مئات الخطب.
ويقدم محمد صلاح مثالاً واضحاً، فسجوده المتكرر بعد تسجيل الأهداف في الملاعب الأوروبية لم يكن استعراضاً سياسياً أو تحدياً ثقافياً، بل تعبيراً طبيعياً عن إيمانه وهويته، وقد ترك أثراً واسعاً في نظرة الجمهور الأوروبي إلى المسلم. رأى الملايين لاعباً متفوقاً، خلوقاً، متواضعاً، يحب أسرته، ويحترم منافسيه، ثم يسجد لله بعد نجاحه.
وفي سنوات قليلة، فعلت هذه الصورة في تصحيح النظرة إلى الإسلام ما عجزت عنه حملات إعلامية ومؤتمرات طويلة. القوة الناعمة الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى وزارة أو ميزانية، فقد يصنعها خلق كريم، أو سجدة صادقة، أو موقف إنساني بسيط.
المحطة الرابعة... هدف أُبطل... وغزة لا تغيب عن ضمائرنا
أشعل قرار تحكيمي رآه العالم ظالماً ومتحيزاً الغضب من المحيط إلى الخليج. امتلأت الشاشات بالتعليقات، واحتدمت المناقشات، وشعر الناس أن المنتخب المصري المبدع حُرم من حقه أمام أعين العالم. هذا الانفعال مفهوم، فالرياضة جزء من الوجدان، ومصر لم تكن تمثل نفسها وحدها في تلك اللحظة، بل حملت مشاعر ملايين العرب الذين كانوا يبحثون عن لحظة فرح جماعية.
ومع ذلك، كان السؤال المؤلم يفرض نفسه: كيف يستطيع هدف أُلغي أن يشعل كل هذا الغضب في ساعات، بينما تواصل غزة نزفها، ويعتاد العالم صور القتل والهدم والتجويع؟ ويستمر الإسرائيلي في البطش والاستعلاء؟ لا أقارن مباراة بحرب، فالمقارنة لا تستقيم. أتحدث عن ترتيب الاهتمام داخل النفس، وعن قدرة الإعلام على إشعال حدث قصير، ثم دفع مأساة ممتدة إلى خلفية المشهد.
المونديال كشف أن ضمير العالم قد يهتز لقرار حكم أكثر مما يهتز لمصير شعب. وهذه ليست مشكلة الرياضة، إنما أزمة في الضمير الإنساني وصناعة الأولويات، وليس المقصود من هذا الحديث التقليل من قيمة الرياضة، فالرياضة من أجمل ما يجمع البشر، وهي لغة عالمية تتجاوز الحدود والأعراق واللغات، لكن الخلل يبدأ يوم يحتل الحدث الرياضي مساحة في وعينا أكبر من مساحة المآسي الإنسانية الممتدة، فيختل ترتيب الأولويات من حيث لا نشعر، ويصبح الضجيج أعلى من الألم الحقيقي، وتتحول المأساة المستمرة إلى خبر عابر، بينما يبقى الجدل حول مباراة أو قرار تحكيمي أياماً طويلة.
خرجت من هذه البطولة بقناعة جديدة؛ أن أكثر ما بقي في ذاكرتي لم يكن هدفاً جميلاً، ولا مهارة لاعب، ولا كأساً رُفعت في ليلة الختام، وإنما الأسئلة التي أيقظها المونديال في عقولنا. أسئلة عن العدالة، والهوية، والدين، والإعلام، والسياسة، وكيف ترى الأمم نفسها، وكيف تنظر إلى الآخرين، وكيف يمكن لحدث رياضي عابر أن يكشف ما تعجز عن كشفه مئات الخطب والندوات والتقارير.
وللحديث بقية... ففي الوجه الآخر للمونديال محطات لا تقل إثارة، لكنها أكثر ارتباطاً بإدارة الدول، وصناعة النفوذ، ومستقبل الأمم.
* وزير الصحة الأسبق