الإعلام الذي مزق الإنسان إلى أشلاء

نشر في 13-07-2026
آخر تحديث 15-07-2026 | 10:44
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

كيف تكون شهية إنسان جائع يجلس على سفرة عليها أكلة شهية واحدة يعشقها؟ في المقابل كيف تكون شهية هذا الإنسان نفسه عندما يقف أمام بوفيه يحتوي على ما لذ وطاب من مختلف الأكلات التي يعشقها هذا الإنسان كلها؟ كثيرون منا مروا بنفس هذا الظرف في الموائد العائلية والعامة، ففي الحالة الأولى يكون التركيز عالياً على هذه الأكلة، التي لا تنافسها على السفرة أكلة أخرى، ويحاول هذا الجائع أن يستمتع بها قدر المستطاع.

أما الأكلات المرصوصة على البوفيه فهي تزغلل العين الجائعة فيحتار ماذا يختار منها، فيحاول أن يتذوق من كل نوع قطعة أو غرفة ملعقة، بعد أن عصفت روائح كل من هذه الأكلات بأحسن خياراته. أنا شخصياً تعلمت أن أختار نوعاً واحداً أو نوعين فقط من بين كل الأطباق التي أشتهيها، لأنني إذا قمت بالتنويع في اختيار الأطباق الموجودة على البوفيه، فقد أصاب بتلبك في المعدة.

لننتقل من محيط إنسان جائع «معوياً» إلى بيئة إنسان جائع فكرياً يحاول البحث عن معلومة ما بين آلاف القنوات الإعلامية، حينها لابد أن يشعر هذا الباحث بالضياع بين مفترق الطرق الإعلامية، التي لابد أن تصيبه باضطراب في العين وتشويش في السمع بسبب كثرة البرامج المعروضة على الوسائل الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي المتزاحمة والموجهة نحو العقل الإنساني الذي لا يقدر على استيعاب كل هذا الكم من المعلومات في وقت واحد.

مئات القنوات التابعة لشبكات التلفزيون الأميركية الثلاث الرئيسية في الولايات المتحدة تعرض كل منها برامج متنوعة طوال الـ24 ساعة، ولا نتحدث هنا عن آلاف القنوات التلفزيونية الأخرى المنافسة. مؤسس علم وسائل الاتصال في الولايات المتحدة البروفيسور ولبور شرام يقول إن كل البرامج التلفزيونية التي تعرض على مدار الساعة عبر جميع القنوات التلفزيونية الأميركية هي في حقيقة الأمر طعم لجذب المشاهد لإعلانات غالبيتها لا تزيد مدة كل منها على 30 ثانية.

وعندما شرح البروفيسور شرام نظريته لم يكن حينها يعرف شيئاً اسمه إنترنت ولا غوغل ولا «شات جي بي تي»، ولا «واتساب»، ولا «تويتر»، ولا «فيسبوك»، ولا «سناب شات»، ولا «تيك توك»، ولا «يوتيوب»، ولا «انستغرام»، ولا تلفونات ذكية، تنقل إلينا كل منها تنوعاً رهيباً من معلومات غالباً لا تهم المتلقي ولا تفيده في شيء، ولكنه يكتشف عدم فائدتها متأخراً بعد انفصاله عن عالمه الإنساني.

إعلامياً، مر العالم بثلاث مراحل لعبت بالفكر الإنساني يميناً ويساراً كما يلعب مضرب التنس بالكرة الصفراء، حتى وصلنا أخيراً لنكتشف أننا تعبنا نفسياً وذهنياً، ولنشهد على تناثر عقولنا إلى أشلاء، ففي المرحلة الأولى كان إنسان يعيش في قرى متباعدة، لا يدري سكانها عما يجري في القرى المجاورة من أحداث، وفي المرحلة الإعلامية الثانية تحول العالم إلى قرية صغيرة بفعل الإعلام المرئي واستخدامه للأقمار الصناعية التي قربت العالم من بعضه البعض، ليعرف كل إنسان ماذا يجري حوله من أحداث، حتى وإن بعدت قراها بآلاف الأميال عن بعضها البعض.

وفي المرحلة الإعلامية الأخيرة والقاتلة يعيش الإنسان منفصلاً ومعزولاً انفرادياً عن مجتمعه، بعد أن كان اجتماعياً بطبعه، لأن كل فرد من أفراد المجتمع خلق لنفسه عالمه الخاص الذي فصله عن بقية أفراد عائلته، لأن كل المعلومات، التي يحتاج إليها، تصل إليه وهو قابع في غرفة نومه، ولهذا فإن الوصف الدقيق لوضعنا الحالي أن الأسرة الواحدة صارت مجموعة قرى متلاصقة ولكنها متباعدة ذهنياً وعقلياً وحتى نفسياً، ولهذا نقول إن الإعلام مازال مصدراً مهماً للتثقيف، ولكنه سبب رئيسي لتفكك الأفراد في الأسرة الواحدة.

back to top