في المرمى.. «المحاسبين» بدلاً من الشعراء
في دور المجموعات، تستطيع المنتخبات أن تلعب بالشعر وأبيات القصيد الجميلة، فنشاهد تمريرات بالكعب، مراوغات للاستعراض، اندفاع هجومي، ومغامرات محسوبة وغير محسوبة، فهناك دائماً فرصة للتعويض، وهزيمة اليوم قد تتحول إلى تأهل غداً، لذلك يبقى هامش الجرأة واسعاً، ويظل اللاعب مستعداً للمخاطرة من أجل لقطة تحفظها الجماهير أكثر مما تحفظها كتب الإحصاء، لكن كل ذلك يتبخر كلما اقترب الكأس وصورته في الأذهان، ففي الأدوار الإقصائية، تتوقف كرة القدم عن كتابة القصائد، وتبدأ الحديث بلغة المحاسبين، كل تمريرة لها تكلفة، وكل مخاطرة تحتاج إلى موافقة، وكل خطوة إلى الأمام يقابلها سؤال واحد: ماذا لو خسرنا الكرة؟
هنا، لا يعود المدرب فيلسوفاً أو شاعراً يبحث عن أجمل الجمل التكتيكية، بل جراحاً يدخل غرفة العمليات، ولا يهم أن تكون العملية جميلة بدون أثر ندوب، المهم أن يخرج المريض حياً، فالهدف لم يعد إبهار الجماهير، بل إبقاء الحلم على قيد الحياة، ولهذا تبدو مباريات الأدوار الإقصائية أقل رومانسية وأكثر توتراً، المساحات تضيق، والابتسامات تختفي، واللاعب الذي كان يراوغ ثلاثة منافسين في دور المجموعات يكتفي الآن بتمرير الكرة إلى أقرب زميل، وذلك ليس لأنه فقد موهبته، بل لأن ثمن الخطأ أصبح أكبر من مكافأة الإبداع.
ولعل المفارقة الأجمل أن الأدوار الأخيرة كثيراً ما تسرق الأضواء من أصحاب الريشة، وتمنحها لأصحاب المطرقة، فقد ينتظر الملايين لمسة ساحرة من ليونيل ميسي، أو انطلاقة خاطفة من لامين يامال، أو مراوغة مذهلة من مايكل أوليسيه، لكن كما قلنا الأدوار الإقصائية والآن تحديداً في نصف النهائي لا يهتم كثيراً بالأسماء ولا بجمال اللقطة، ففي هذه المرحلة قد تختفي تلك الومضات التي أشعلت المدرجات في الأدوار الأولى، ليس لأن أصحابها فقدوا سحرهم، بل لأنهم أصبحوا مطالبين أولاً بعدم ارتكاب الخطأ.
وفي المقابل، قد يخرج البطل من حيث لا ينتظره أحد، فالبديل الإسباني ميكيل ميرينو لم يحتج إلى مراوغات ولا إلى عرض مهارات، بل احتاج إلى وجوده في المكان المناسب ليسجل هدف الفوز في الدور ثمن النهائي أمام البرتغال، ثم يكرر المشهد ذاته في ربع النهائي في مواجهة بلجيكا، ويقود إسبانيا إلى نصف النهائي، وقبل ذلك، كان المدافع الأرجنتيني كريستيان روميرو هو من افتتح التسجيل وطريق العودة في النتيجة أمام مصر، في مشهد يلخص كيف تتحول الأدوار الحاسمة إلى مسرح لأبطال غير متوقعين، هنا لا تمنح كرة القدم نقاطاً إضافية لجمال المراوغة، ولا تسأل من كان الأكثر إمتاعاً، بل من كان حاسماً عندما حانت لحظة الحسم.
لهذا، كثيراً ما يخرج المشجع بعد نصف النهائي قائلاً: «المباراة لم تكن جميلة»، وربما يكون محقاً من زاوية المتعة، لكنه ينسى أن البطولة في هذه المرحلة لم تعد مسابقة للجمال، بل امتحاناً للأعصاب، فالمنتخبات التي وصلت إلى هنا لم تعد تلعب لإثبات أنها الأفضل، بل لإثبات أنها الأهدأ عندما ترتجف الأقدام، فالطريق إلى الأدوار المتقدمة وبعد ذلك النهائي لا تعبّده دائماً الأقدام الأكثر مهارة، بل العقول الأكثر هدوءاً، وكلما اقتربت من الكأس، أصبحت كرة القدم أقل رومانسية وأكثر شبهاً بعملية جراحية دقيقة، لا مكان فيها ليدٍ ترتعش، ولا لقرار متأخر، ولا لخطأ قد ينهي حياة حلمٍ انتظره شعب بأكمله أربع سنوات.
بنلتي
النهائيات لا تتذكر من راوغ أكثر، بل من أخطأ أقل وفي الأمتار الأخيرة، لا يرفع الكأس أجمل لاعب في البطولة بل الفريق الذي ارتكب أقل عدد من الأخطاء.