افتتاحية: إلى نظام طهران وحرسه... بلا تحية!
حديثنا اليوم ليس موجهاً إلى الشعب الإيراني، ذلك الشعب الذي ندرك تماماً حجم المعاناة، التي يرزح تحتها منذ عقود، ونأسف لرؤيته يدفع أثمان سياسات لم يخترها، ومكبلاً بنظام لا يعرف من الحكم إلا القمع، ولا من السياسة إلا التهديد، ولا من حسن الجوار إلا التدخل في شؤون الآخرين، كما نستثني الأصوات المغلوبة على أمرها، التي تؤمن بالسلام لكنها عاجزة عن الجهر به تحت وطأة القمع.
هذا الحديث موجه مباشرة إلى الحرس الثوري والنظام الإيراني، اللذين صادرا قرار الدولة، واختطفا حاضر شعبهما ومستقبله، وحوّلا إيران من دولة يفترض أن تبحث عن التنمية إلى مشروع دائم لتصدير الأزمات والخراب، حديثنا لمن يتغنون بحسن الجوار في بياناتهم، ثم يطلقون الصواريخ والطائرات المسيرة نحو جيرانهم، إلى أولئك الذين احترفوا نقض العهود، وأتقنوا صناعة الأزمات، وأصروا على جر المنطقة إلى مستنقعات الدمار، واستثمروا في خطاب لا يعرف سوى التهديد والوعيد، وكأنهم أوصياء على المنطقة ومصائر شعوبها.
حديثنا إلى من يحفظون نصوص الاتفاقيات الدولية، ولا يحترمون حرفاً منها، ويرددون «قال الله وقال الرسول»، بينما أفعالهم تناقض صريح ما أمر به الله، «إن الله لا يحب المعتدين»، وما روي عن رسوله الكريم «المسلم من سلم المسلمون من لسان ويده»، وما قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه «الغدر عند ذوي العقول أقبح من العجز».
حديثنا إلى أولئك الذين لم يكتفوا بإشعال الفتن في المنطقة، بل امتدت صواريخهم وطائراتهم المسيرة إلى دول الخليج كافة، والكويت على وجه الخصوص، الدولة التي لم تكن يوماً إلا صوتاً للحكمة، ويداً للسلام، ومركزاً للعمل الإنساني.
أي منطق يبرر أن تستيقظ الكويت فجراً بعد آخر على صفارات الإنذار؟ وأي دين أو قانون أو خلق يجيز استهداف شعب آمن بأكثر من 1318 صاروخاً وطائرة مسيرة في حرب لم يكن طرفاً فيها، وفي انتهاك سافر لكل الأعراف والمواثيق الدولية؟!
إن سجل الحرس الثوري ونظامه يفيض بما يكفي لملء مجلدات من الغدر والتدخل والتخريب، فهو يعرف قبل غيره ما فعلته يد الخسة في اليمن والعراق ولبنان وسورية وغيرها، وما خلفته من خراب وانقسامات وإراقة للدماء وتهجير.
وحين يتحدث النظام الإيراني عن حسن الجوار، فإنه يمارس ذات التزييف، حين ادعى الانتصار في حرب حصدت فيها طهران تدمير بنيتها التحتية، وتصفية صف قيادتها الأول، وإعادة برنامجها النووي سنوات إلى الوراء، بينما دفع الشعب وحده الثمن الأكبر، وإننا وإن لم نكن ــ كما ذكرنا مراراً وتكراراً ــ طرفاً في تلك الحرب، إلا أننا نعتقد أن النظام في طهران مدين بالشكر للولايات المتحدة، التي ارتكبت خطأ استراتيجياً في التوقيت، حين وجهت ضربتها في لحظة فارقة، كان فيها الشعب الإيراني على وشك إسقاط نظامه، فأنقذت هذا النظام الذي تهاوى أمام شعبه، ومنحته فرصة استغلال المواجهة الخارجية لإعادة إنتاج نفسه وتصدير أزماته والهروب من استحقاقات الداخل.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن سياسة حافة الهاوية والابتزاز العسكري التي ينتهجها النظام في طهران لم تجلب له سوى العزلة الدولية والانهيار الاقتصادي؛ فالمليارات التي أنفقت على تطوير ترسانات الموت وتغذية الميليشيات، كان الأولى بها أن توجه إلى تنمية الداخل الإيراني وإنقاذ الملايين من الفقر والجوع، لكن النظام آثر غسل يديه بدماء الأبرياء في العواصم العربية على أن يلتفت إلى بناء دولته. أما نحن في الكويت فقد تعلمنا من غدرهم درساً بأن السلام لا تحميه البيانات، بل تحميه قوة الدولة ويقظة مؤسساتها وتحالفاتها الراسخة وقبل ذلك كله وحدة شعبها وتماسكه.
ورسالتنا إلى نظام طهران واضحة: لقد هدمت صواريخكم ما تبقى من جسور الثقة بيننا، وأبناؤنا لن ينسوا غدركم، ولن تمحو الأيام آثار ما زرعتموه من خوف ورعب في نفوس الأبرياء، واليوم وبعد كل تلك الاعتداءات السافرة، والشهداء الأبرياء، والأطفال الذين روعوا، والمدنيين الذين عاشوا تحت تهديد دائم، لم يعد السؤال ماذا فعلتم؟ فالعالم كله رأى جرائمكم.
السؤال الذي سيظل يلاحقكم، وسيكتبه التاريخ بمداد من الاستنكار هو: لماذا أيها «القذرون» كل هذا الحقد والعدوان على شعوب لم تمد إليكم إلا يد السلام؟! وحتى إن غادرت صواريخكم سماء الكويت يوماً، فإن عار الغدر سيظل يلاحقكم، وسيبقى شاهداً على خستكم عندما جعلتم من العدوان عقيدة، ومن الخيانة نهجاً، ومن انتهاك «حسن الجوار» سياسة، كفوا شركم وعودوا إلى حدود دولتكم الطبيعية، لا من أجلنا بل من أجل شعبكم، الذي يستحق مستقبلاً أفضل بعيداً عن أوهام «تصدير الثورة والخراب».