وجهة نظر: المصروفات الجارية بين العبء المالي والأثر الاقتصادي
نشرت وزارة المالية قبل أيام قليلة الحساب الختامي لعام 2025-2026 متضمناً عجزاً فعلياً بلغ نحو 7 مليارات دينار نتيجة لانخفاض واضح في الإيرادات.
في هذه المقالة نسلط الضوء على المصروفات الجارية تحديداً، وذلك لسببين: حجم هذه المصروفات وطريقة قراءتها.
ابتداء، لا يخفى على كل مهتم بالشأن الاقتصادي المحلي أن طريقة عرض البيانات المالية الحكومية ساهمت في تشكيل فكرة عامة كانت وما زالت قائمة على إظهار المصروفات الجارية على أنها أولاً سبب رئيسي في العجز المالي وثانياً سبب رئيسي في اختلالات أو تشوهات الاقتصاد الكويتي.
هذا الطرح المتكرر بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال الاستناد إلى آلية العرض تلك، يقوم على فرضية تبالغ في تناول جانب واحد فقط، فمن يتمعن جيداً في طبيعة الاقتصاد المحلي يجد أن هذا الإنفاق الجاري باختلاف مكوناته هو محرك رئيسي للطلب المحلي خصوصا إذا اخذنا في الاعتبار النقاط التالية:
- نسبة هذه المصروفات تشكل تقريبا 48 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي لعام 2025.
- صادرات غير نفطية محدودة جدا.
- حجم استثمارات أجنبية مباشرة الأقل خليجياً.
- تحويلات عاملين وافدين مرتفعة.
بالتالي ووفقاً لهذه العوامل نستطع القول إن تسليط الضوء على حجم تلك المصروفات وتجاهل ما ذكر من نقاط أعلاه يعكس «تقييماً غير متوازن يركز على الكلفة ويتجاهل الأثر»، وإن كنا بلا شك نعتقد بأهمية الإنفاق الرأسمالي في تحفيز الاقتصاد من أجل نمو مستدام.
ولكن، هل التحدي الرئيسي هو حجم الإنفاق الحكومي الجاري؟ وما هي حدود الإنفاق الجاري الواجب الالتزام بها؟
بالنظر إلى واقع اقتصادنا الحالي فإن التحدي الرئيسي يتلخص في الآتي:
- مصادر إيرادات متنوعة ومستدامة.
- جودة الإنفاق والأثر الاقتصادي الذي يحققه.
- قطاع خاص أكثر مساهمة في الاقتصاد الوطني.
- بيئة استثمارية جاذبة.
أما حدود الإنفاق الجاري الواجب الالتزام بها فإنه لا توجد علمياً حدود معينة وإنما هي تقديرات تقوم على عوامل متعددة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة وخصائص كل اقتصاد.
باختصار، نعتقد أنه لا ينبغي تجاهل أن تلك المصروفات تلعب دوراً هاماً في النشاط الاقتصادي المحلي، خصوصاً في ظل ضعف محركات النمو الأخرى، وبالتالي فإن ترديد سردية معينة تقوم على وصف هذه المصروفات الجارية على أنها «عبء مالي محض» يبدو لي طرحاً أحادياً لا نرى أنه سيساهم في إيجاد «حلول مناسبة» للتحديات المالية والاقتصادية المحلية.
* محاضر سابق في جامعة بورتسموث - المملكة المتحدة