التحدي السيادي لدول مجلس التعاون وإيران

نشر في 14-07-2026
آخر تحديث 13-07-2026 | 18:28
 د. محمد المقاطع

لم يعُد أمام دول مجلس التعاون كمنظومة أو كدول منفردة سوى ما اختارته وسارت عليه من تحدٍّ سيادي مُلحّ، ولزوم تعزيز ذلك في ظل التحدي الوجودي لها.

ففي الحسابات السياسية التي تخالطها حسابات عسكرية واقتصادية ومالية وتجارية، كثيراً ما يتم تجاهل قوة وصلابة المنظومة المتكاملة للدولة السيادية صاحبة القرار الحاسم وجودياً.

فتظن الدول الكبيرة في شعبها أو جغرافيتها أو جيشها أنها تملك زمام الأمور في شؤون الإقليم الذي تشكّل هي جزءاً منه، وبمراجعة الحقائق والوقائع التاريخية ونماذجها المتعددة تبيّنَ خطأ تلك النظرة والنظرية، فنظرة الدولة الكبيرة أنها تملك القدرة على التحكُّم والتصرف بزمام الأمور ثبت خطؤها وفشلها، وجاءت نتائجها عكسية.

أما نظرية الدول الكبيرة في قدراتها، فلا تعني بالضرورة أنها بموقع يؤهلها للهيمنة والنفوذ على بقية الدول في إقليمها، إذ ثبت أيضاً خطؤها وفشلها وتنكبت تلك الدول تاريخياً ويلات غطرستها.

ولئن كانت دول مجلس التعاون منفردة أو مجتمعة صغيرة في معظم جغرافيتها وقليلة في مواطنيها وربما جيشها منفردة، رغم أن جيوشها مجتمعة ليست قليلة، في حين أن إيران دولة كبيرة في شعبها وجغرافيتها وجيشها، فإن معادلة الدولة الصغيرة في مواجهة الدولة الكبيرة، هنا تحديداً ساقطة، حتى بالنسبة لأصغر دولة بمجلس التعاون.

فالدولة المعاصرة انتقلت إلى مرحلة الدولة الصلبة بمنظومتها المتكاملة «للدولة السيادية» الحاسمة وجودياً.

ويعني ذلك بلوغ النضج الكامل للدولة السيادية التي أرست وكرّست واحتاطت لكل متطلبات الدولة السيادية من حُسن التكوين والتكامل لمنظومتها السيادية بضبط وإحكام وحُسن إدارة مكونات تلك المنظومة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ومالياً وتجارياً وشعبياً، بما يُكسبها منعة وقدرة بتوظيف جوانب المنظومة بمرونة زئبقية للتكيّف والانتقال بين المكونات لتفعيل أثرها تأثيراً بالغاً ومؤلماً للعدو، حينما تكون أمام التحدي الوجودي، وقد اتضحت تلك الأمور، بقوتها وصلابتها وحضورها لدول الخليج فرادى أو منظومة، وهو مكمن استمرار منظومة الدولة بصورة سلسة - رغم شراسة العدوان الإيراني ومداه غير المسبوق كمّاً وكيفاً وتوقيتاً - كما أن صلابة وتحدي شعوبها المرادف لصلابة الدولة أفشل ذلك.

فلم تتوقف الحياة في دول الخليج طوال مرحلة الاعتداءات ولم تنقص المؤن ولم تتهاوَ البنى التحتية، ولم يضجر الناس ولم يهلعوا ولم يهجروا الوطن، بل العكس، ولم تتوقف حركة السفر والطيران، ولم تُقفل الحدود ولم يتعطل الاقتصاد ودورة المال والتجارة، ولم تتوقف الحركة السياسية للدول وشعوبها، وظهرت حيوية دبلوماسية سريعة ومؤثرة برفقة تحرُّك اقتصادي ومالي لافت وصلب، وتفوّق للأداء العسكري فردياً وجماعياً، سواء في صد العدوان وإفشاله أو في الاستنفار والتعبئة أو التطوع ودعم المجهود العسكري، بما عكس متانة المكون العسكري وقدرته على المجابهة والردع وتجنّب الاستنزاف، مع قدرة فائقة هجومية وردعية، لم تكن في حسبان الأعداء، وقدرة على إحكام إدارة الدولة بحكمة وحنكة تضمن صد العدوان وردعه، وتمنع انزلاق الدولة لحرب ليست حربها ولا بتوقيتها، وإفشال تحويل دولها ساحة للحرب أو الأعمال الحربية، ونقل ذلك لساحات العدو ودولته.

واستكمالاً لكل معطيات «الدولة السيادية» صاحبة القرار الوجودي، صار لزاماً أن تعتاد الدول الخليجية منفردة أو جماعياً العيش في إقليم متقلب الأحوال بين السِّلم والحرب والمهادنة والعدوان، وبين الدبلوماسية والردع العسكري مع تحولات مفاجئة وربما مباغتة في العدوان والأضرار المادية والبشرية وامتلاك مرونة الامتصاص والتكييف الزئبقي للحفاظ على وجودية الدولة وسيادتها واستقلالها، وبما يُلحق بالعدو الهزيمة والانكسار والخسارة، وعلى شعوب دول الخليج أن تتعلم التعايش في عالم تسوده التقلبات والحروب، وتتبدل فيه التحالفات والمصالح، فلا يظن البعض أن أحوال الرفاه والحياة الهادئة هي الحالة الدائمة في أي دولة من الدول صغُرت أم كبُرت، فما يعوّل عليه، صلابة الدولة ومتانة مكوناتها السيادية وصلابة وصمود شعبها لإفشال أي عدوان أو مخطط، اعتماداً على قدرات الدولة الذاتية وصمود شعبها.

وغدا ذلك خيار دول الخليج منفردة، وأكثر لزوماً وتكاملاً لمنظومة مجلس التعاون، أو ينبغي ذلك، فقدراتها وإمكاناتها مذهلة سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً، وخبرة شعوبها صلبة ومجرّبة تتحدى الخطوب.

back to top