الوجه الآخر لبطولة كأس العالم

نشر في 14-07-2026
آخر تحديث 13-07-2026 | 18:16
 د. بلال عقل الصنديد

لا شك في أن بطولة كأس العالم لكرة القدم، تشكل الحدث الرياضي الأكثر قدرة على جمع البشر حول لحظة واحدة. فكل أربع سنوات تتجه أنظار مليارات الأشخاص إلى المستطيل الأخضر، حيث تمتزج المهارة الرياضية بالمشاعر الوطنية والاحتفال الجماعي. ولا ريب أيضاً أن البطولة تحمل كثيراً من القيم الإيجابية، فهي تعزز التقارب بين الشعوب، وتقدم نماذج ملهمة للإصرار والنجاح، وتمنح العالم مساحة نادرة من الفرح المشترك. غير أن هذا البريق لا ينبغي أن يحجب وجهاً آخر أقل ظهوراً، تتداخل فيه المصالح بتأثيرات سلبية تستحق التوقف عندها.

اقتصادياً، لم تعد البطولة مجرد منافسة بين المنتخبات، بل أصبحت صناعة عالمية هائلة تتدفق عبرها مئات العقود التجارية وحقوق البث والرعاية والإعلانات. وتتنافس الدول على استضافتها باعتبارها فرصة لإبراز مكانتها الدولية، حتى وإن استدعى ذلك إنفاق مليارات الدولارات على ملاعب وبنية تحتية قد تفقد كثيراً من جدواها بعد إسدال الستار على البطولة. فضلاً عن الجدل المتكرر حول ظروف العمل وحقوق العمال في بعض المشاريع، ناهيك عن التساؤل المشروع عمّا إذا كان توجيه هذه الموارد إلى قطاعات أكثر إلحاحاً، كالتعليم والصحة والإسكان، قد يحقق أثراً تنموياً أوسع وأكثر استدامة!؟

أما سياسياً، لم يعد كأس العالم بمعزل عن لعبة القوة الناعمة. فالاستضافة صارت منصة للترويج الدولي، وتعزيز النفوذ الدبلوماسي، وإبراز الجاهزية المؤسسية. وغالباً ما تغدو الملاعب مسرحاً لإشارات سياسية مبطنة، وتفرض ضرورات الإدارة الناجحة للحدث إيقاعاً مغايراً على العلاقات الدولية، يقود عادةً إلى تهدئة مؤقتة للأزمات، ليس حرصاً على حلول جذرية، بل لتأمين أجواء مستقرة للبطولة. وما أثير بشأن التهدئة على الجبهة الأميركية-الإيرانية، والضغوط لإعادة لاعب أميركي طُرد بالبطاقة الحمراء، وما قيل عن تحكيم منحاز ضد مصر، ليس سوى شاهد إضافي على تداخل الرياضة بالسياسة.

وعلى المستوى الاجتماعي، ورغم ما تصنعه البطولة من مشاعر الوحدة والانتماء، فإنها تكشف أيضاً عن جانب أقل إشراقاً. فالتعصب الرياضي يتجاوز أحياناً حدود المنافسة الشريفة ليتحول إلى خطاب كراهية أو انقسام حاد، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي. كما أن الانتماء الوطني المشروع قد ينقلب في بعض الحالات إلى نزعة إقصائية أو عدائية تجاه الآخر، فتغيب الروح الرياضية أمام منطق الانتصار بأي ثمن.

ومن الناحية النفسية، تمنح البطولة ملايين البشر فرصة للهروب من ضغوط الحياة اليومية، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى حالة من الإدمان الجماعي، حيث تتراجع الأولويات الشخصية والمهنية أمام المباريات والتحليلات المتواصلة، الأمر الذي يغذيه الاعلام بدوافع ليست بالضرورة بريئة!

في ذروة المنافسات، تتراجع ملفات سياسية واقتصادية مهمة إلى الهامش، بينما تستحوذ مباراة أو هدف على مساحة إعلامية واسعة لم تحظ بها أزمات إنسانية أخطر. والسؤال هنا ليس عن لعبة كرة القدم، بل عن لعبة توجيه الرأي العام.

بالمحصلة، يبقى كأس العالم مناسبة استثنائية تستحق الاحتفاء، لكنه، كغيره من الظواهر العالمية الكبرى، ليس مجرد لقاء دوري، بل مرآة تعكس تداخل الرياضة بالاقتصاد والسياسة والإعلام، وتكشف كيف يمكن لحدث واحد أن يجمع بين المتعة والمصالح، بين الفرح والأسئلة الصعبة، وبين بريق الأقنعة والوجه الآخر الخفي.

* كاتب ومستشار قانوني

back to top