المقيم... الحلقة الأضعف!

نشر في 14-07-2026
آخر تحديث 13-07-2026 | 18:15
 ضاري المير

كلما تعثرت التنمية ظهر من يبحث عن شماعة يعلق عليها الفشل، ومؤخراً أصبح المقيم هو المتهم الجاهز في كل أزمة، وكأن تعطّل المشاريع، والبيروقراطية، وضعف الإدارة، وتراجع بعض الخدمات، سببها الإنسان الذي جاء ليعمل، لا السياسات التي صنعت هذه الأزمات. هذه سردية مريحة... لكنها خاطئة. الكويت لم تُبنَ على الإقصاء، بل على الانفتاح، فمنذ نشأتها كانت ميناءً يستقبل التجار، ومدينةً تحتضن أصحاب الحرف، وبلداً فتح أبوابه للمعلمين والأطباء والمهندسين والخبراء، ولم يكن هناك خوف من الكفاءة، بل كان هناك احترام لها. واليوم، بدل أن نسأل: لماذا تراجعت سرعة الإنجاز؟ أصبح البعض يسأل: كيف نُضيّق على المقيم أكثر؟ وبدل أن نراجع أداء المؤسسات، أصبح من الأسهل توجيه الغضب نحو الحلقة الأضعف. وكأن التضييق على العامل أو المعلم أو الطبيب سيحل أزمات الاقتصاد، أو يرفع كفاءة الإدارة، أو يعالج الفساد.الحقيقة المؤلمة أن الدول لا تنهار بسبب تنوع سكانها، بل بسبب ضعف الإدارة، وغياب الرؤية، وتراجع الإنتاجية، أما الإنسان المنتج، أياً كانت جنسيته، فهو قيمة مضافة يجب احترامها، لا تحويلها إلى خصم سياسي كلما اشتدت الضغوط، وهنا يجب أن يكون الحديث واضحاً: المواطن الكويتي هو صاحب الوطن، وصاحب الحقوق التي لا يشاركه فيها أحد، وهذه حقيقة لا نقاش فيها، لكن الاعتراف بحقوق المواطن لا يستلزم إنكار فضل من شارك في بناء المدارس والمستشفيات والجامعات والطرق والموانئ، وأسهم في نهضة الاقتصاد لعقود طويلة. 

الفرق كبير بين حماية الهوية الوطنية، وبين صناعة خطاب إقصائي يزرع الكراهية ويهدم الثقة، فالأولى مسؤولية وطنية، أما الثانية فهي وصفة لإضعاف المجتمع وتشويه صورة الكويت التي عُرفت تاريخياً بالتسامح والانفتاح واحترام الإنسان. الكويت اليوم تحتاج إلى مشروع وطني جديد، يقوم على الكفاءة لا على الشعارات، وعلى الإنجاز لا على المزايدات، وعلى الإصلاح الحقيقي لا على البحث عن خصوم وهميين، فلا يمكن أن نطالب العالم باحترام الكويت، بينما نعجز عن احترام كل من يعيش فيها ويعمل بإخلاص تحت مظلة القانون.لن نبني اقتصاداً عالمياً إذا كانت رسالتنا إلى الكفاءات هي: أنتم مجرد ضيوف يمكن الاستغناء عنكم في أي لحظة، ولن نجذب الاستثمارات إذا كان خطابنا الداخلي قائماً على الانقسام بدل الثقة والاستقرار. الكويت أكبر من أن تُدار بعقلية «نحن وهم»، وأكبر من أن تُختزل في خطاب يخاف من الآخر بدل أن يحاسب المقصر الحقيقي، فالوطن القوي لا يبحث عن كبش فداء، بل يبحث عن حلول، والوطن الواثق لا يخشى الاعتراف بأن نهضته كانت ثمرة شراكة واسعة بين المواطنين وكل من أسهم بإخلاص في بنائه، فلنحفظ للمواطن حقوقه كاملة، ولنعطِ كل صاحب فضل حقه، ولنتذكر أن الأوطان العظيمة لا يكتب تاريخها من هدم الجسور، بل من شيدها.

back to top