كلمة: صديقي الكبير

نشر في 13-07-2026
آخر تحديث 12-07-2026 | 22:01
No Image Caption

ليس من السهل أبداً أن تنعى رجلاً بحجم أمة، ولا من اليسير أن تختزل في سطور علاقة صاغتها الأيام ورسَّختها المواقف وحفظتها الأسرار... لكنني لا أكتب اليوم بقلم السياسي أو الصحفي، بل بقلب الصديق، الذي هزه الفراق، وأقولها بمرارة يخففها الرضا بقضاء الله وقدره «اليوم فقدت صديقي الكبير» الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

وقبل الخوض في رثائه، وبين ركام الحزن، تعود بي الذاكرة إلى جذور صداقتنا التي سأظل أعتز بها ما حييت، والتي تكونت مطلع الثمانينيات خلال إحدى زياراتي إلى الدوحة، عندما كان سموه ولياً للعهد، حيث أدركت وقتئذ أنني أمام شخصية استثنائية تحمل طموحاً يتجاوز حدود الجغرافيا، وإرادة لا تعرف المستحيل، وعزماً يهز الجبال. 

وعلى امتداد العقود التي تلت ذلك اللقاء، كان لي شرف القرب منه، وعندماً تولى مقاليد الحكم أميراً لدولة قطر، تشرفت بإجراء أول لقاء صحافي معه، بث «مباشرة» وقتئذٍ عبر تلفزيون قطر الرسمي، ونشرتُه في جريدة القبس في الثاني من سبتمبر 1996، ومن بين ما قاله آنذاك عبارة لا تزال عالقة في الذاكرة: «الديموقراطية ضرورة حتمية، وإذا بدأت فيجب أن تستمر»، كما أكد حينئذٍ حرصه الكبير على تقوية العلاقات الكويتية - القطرية وأن تزداد رسوخاً، حتى غدت العلاقات الأخوية نموذجاً يضرب به المثل في التلاحم والتنسيق ووحدة المصير.

وفي محطات كثيرة جمعتنا، عرفته مستمعاً راقياً من الطراز الرفيع، وصديقاً صدوقاً، مخلصاً في وده، أميناً في نصحه، كان يصغي بكل جوارحه، يناقش بعقل منفتح، ويتقبل الرأي الآخر بكل صدر رحب، وقلب الأخ الكبير.

رحل الشيخ حمد، لكن أثره سيبقى محفوراً في ذاكرة المنطقة والعالم، فمنذ أن تولى مقاليد الحكم عام 1995، لم تكن طموحاته مجرد رؤى على ورق، بل تحولت إلى إنجازات غير مسبوقة غيرت وجه قطر، ونقلتها من دولة خليجية هادئة إلى قوة إقليمية ودولية يصعب تجاوزها.

لقد آمن الشيخ حمد بأن مساحة الدول لا تصنع مكانتها، بل تصنعها الإرادة والرؤية والاستثمار في العنصر البشري، وبفضل تلك الرؤية الثاقبة أصبحت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وقوة استثمارية عالمية، وذات حضور مؤثر في مختلف المحافل الدولية.

ولم يغفل، رحمه الله، يوماً عن بيته الداخلي، حيث كان المواطن القطري محور اهتمامه الأول، فوضعه في صدارة أولوياته، وضخ استثمارات ضخمة في قطاعي الصحة والتعليم، إيماناً منه بأن بناء الإنسان هو الأساس لبناء الأوطان، ونتيجة لهذه السياسة الحكيمة، انخفضت معدلات البطالة في قطر إلى حدودها الدنيا، وارتفعت مستويات المعيشة بشكل قياسي، وقفز نصيب المواطن القطري من الناتج المحلي الإجمالي، ليصبح من بين الأعلى عالمياً، كما تصدرت قطر مؤشرات التنمية البشرية الصادرة عن المنظمات الدولية، بالتوازي مع طفرة اقتصادية وعمرانية مذهلة غيرت وجه الدوحة، وحولتها إلى إحدى حواضر العالم الحديث، مع الحفاظ على هويتها وأصالتها.

وإذا كان التاريخ يخلد الحكام بما شيدوه، فإنه سيقف طويلاً أمام يوم 25 يونيو 2013، حين قدم الراحل درساً كبيراً للعالم أجمع في العطاء وإنكار الذات، وعكس حبه لبلده بأبهى صوره، ففي ذروة عطائه أثبت الشيخ حمد أنه لم يكن أسير الكرسي ولا طالب سلطة، بل كان طالب رفعة لوطنه، عندما تنازل عن الحكم طواعية لنجله وولي عهده سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

كان ذلك الموقف تتويجاً لمسيرة قائد استثنائي، ورؤية تتجاوز الحاضر وتستشرف المستقبل، تجلت فيها حكمته في حسن الاختيار والتربية والإعداد، فلم يكن تسليم الأمانة إلى سمو الشيخ تميم بن حمد مجرد انتقال للسلطة، بل كان انتقالاً وامتداداً للطموح، فقد أثبت الشيخ تميم أنه خير خلف لخير سلف، فحمل الراية بكل أمانة واقتدار.

وما تشهده قطر اليوم من استمرار للنهضة وتعاظم لدورها الإقليمي والدولي، ليس إلا ثمرة مباركة لغرس «الأمير الوالد»، وامتداداً طبيعياً لمدرسته القيادية التي تتجلى ملامحها الشامخة في قيادة الشيخ تميم.

وداعاً أيها «الأمير الوالد» و«الصديق الكبير»، برحيلك فقدت الدوحة باني نهضتها، وفقدت الأمة العربية قائداً شجاعاً، أما أنا فقد فقدت الصديق الذي كان يملأ المكان حكمة ووفاءً ونبلاً... نتقدم إلى العزيزة قطر قيادة وحكومة وشعباً بخالص العزاء وصادق المواساة، ولا نقول إلا ما يرضي الله «إنا لله وإنا إليه راجعون».

back to top