حين تصبح الطبقة وطناً أو عابرة للمحيطات! *
يجري الزمن سريعاً... ينتقل بين الدقائق واللحظات والساعات والأيام أسرع وأسرع، ومعه يتحول العالم أكثر وأكثر إلى عالمين، قلّة هنا وهناك تحكم وتهيمن وتسيطر أو حتى تخدم مَن يحكم، وكثرة بالملايين تخدم وتناضل يومياً من أجل لقمة العيش. فلم يعُد العالم منقسماً فقط إلى شمال وجنوب وشرق وغرب واستعمار ومستعمرة، وغني وفقير، بل أصبح أشد قسوة ووحشية، حتى لو كان في شكل من الأناقة وكثير من مساحيق التجميل!
يتشابه أولئك العاملون بصمت، الواقفون على أطراف الحياة بأطراف أصابعهم حتى لا تزعج أي حركة منهم أولئك المسترخين فوق سطح الماء الأزرق، سواء كان بحراً أو حمّام سباحة بحكم بيت لعوائل في الأحياء الفقيرة. يتحدث الفقراء لغاتٍ قد تبدو مختلفة، عربية، إسبانية، أوردو، أو سواحيلية، ولكنهم في مجملهم يفهمون بعضهم البعض أكثر من الآخرين الذين يتحدثون لغتهم وينتمون لنفس أوطانهم.
يعيش أولئك الفقراء وهُم كثر في قلق يومي، يحسبون ما تبقّى في جيوبهم قبل أن ينتصف الشهر وينغمسون في لعبة تأجيل الأحلام عاماً بعد عام. يجري الفقير من بيته في أول ضوء للشمس ليصل إلى عمله في تلك المنطقة الصناعية أو تلك الفيلا الفخمة بمجمع بأسواره العالية وحدائقه المزهرة ومسابح ومراكز للرياضة واللعب والترفيه، كلها بمساحة تلك البقعة الصغيرة التي يكتظ فيها البشر ليس بعيداً عنه إلّا ببعض كيلومترات، فيما الفروق تشبه المحيطات وسعاً.
كانت البيوت قديماً لا تبعد عن بعضها البعض، ولا تفصل بينها سوى أسوار الخصوصية لا أسوار الخوف أو تلك التي تحمل دمغة شريحة أو فئة تختلف عن كل مَن هو خارج السور. كانت الأسوار من حجر وحديد، وأصبحت بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة وحراسات و»كيو آر كود» وتطبيقات، وغيرها من وسائل لمن يملك الثمن!
كان الحساب البنكي وحجم المنزل ونوع السيارة تفرّق بين الفرد وجاره القريب أو البعيد بعض الشيء، وكانت تجمعهم الأندية المشتركة، ولا أنسى أن فريقنا الصغير في مدينتي الحبيبة المحرّق كان به نادٍ يجمع بين الأثرياء والفقراء على ذات المستوى، والمدارس هي الأخرى كانت أدراجها لا تفرّق بين من يملك ومن لا يملك سوى ما يعينه على العيش بكرامة.
حتى الرياضة، التي لطالما اعتبرناها مساحة يلتقي فيها البشر على قدم المساواة، لم تبقَ بمنأى عن هذه التحولات. فقد أصبحت كرة القدم صناعة عالمية تتشابك فيها حقوق البث، والإعلانات، والرعاية، والاستثمارات الضخمة، والمراهنات، حتى غدا المال عنصرًا مؤثرًا في تشكيل المنافسة نفسها. وأصبحت هي الأخرى جزءاً من اللعبة الاستعمارية السياسية الكبرى وليست بعيدة عنها، لما تحظر على كثير من الدول المشاركة في مسابقات للرياضة والغناء والموسيقى والسينما، لأنها في حالة حرب أو معادية، كما وصفوها هم، فيما تبقى أكبر دولة تمارس حرب الإبادة منذ أكثر من سبعين عاما تتقدم الصفوف في كل هذه المسابقات؟
ولعل أخطر ما في هذا كله أننا لم نعُد نرى أنفسنا أبناء الأوطان نفسها، بقدر ما أصبحنا أبناء الطبقات التي ننتمي إليها. فالأثرياء، مهما اختلفت جنسياتهم، أصبحوا أكثر قربًا من بعضهم بعضًا، كما أصبح الفقراء، رغم تباعد أوطانهم، أكثر فهمًا لبعضهم بعضًا. وبين هذين العالمين تتّسع الهوة كل يوم، حتى بات السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما زلنا نعيش في عالَمِ واحد، أم أننا أصبحنا
نعيش على الكوكب نفسه، لكن في عالمين لا يلتقيان؟
* يُنشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية.