دكان الساسة وبغداد المنهوبة
لو أن جدران بغداد العتيقة تملك لساناً يفصح، أو أنّ نهر دجلة يروي ما غاص في أعماقه من لواعج وشجون، لضاقت صحائف التاريخ ذرعاً بما يحمله هذا البلد من مفارقاتٍ تدمي القلوب. ذلك أنّ العراق اليوم يعيش مخاضاً عسيراً، تتدافع في أحشائه أمواج السياسة الداخلية كالسّفن في خضمّ بحرٍ لجيٍّ مائج، فضربتْ أركانه «ثورة الحقائق» التي لا ترحم من اتخذوا من كراسيّ الحكم حوانيت للمغنم، ومن أموال الأمة نهباً مقسوماً، بعد أنْ تكشّفتْ سوءات مرحلةٍ طال ليلها، وسقطتْ أقنعةٌ طالما تجمّلتْ بزائف الوعود وكاذب الشعارات.
ومن رحم هذا وتمزقاته اندلعتْ عواصف الكشف المزلزلة لتفضح خيانة الأمانة، فأيّ فجيعةٍ أنكأ من أنْ يستيقظ الوطن على اختلاساتٍ فلكيةٍ يصعق لها العقل الحصيف، وملفات فسادٍ يمسك بعضها برقاب بعض، وكأننا أمام «أخطبوطٍ» ماليٍّ تمتد أذرعه في مفاصل الدولة بلا حياءٍ أو وجل. لقدْ كشفت الأيام القريبة الماضية عن حقيقة رجالٍ حسبوا على طائفة «المسؤولين»، فإذا بهم في ميزان النزاهة «سماسرة أوطان». وتبيّن للقاصي والداني أنّ تلك الثروات التي حرم منها الرضيع والشيخ والكادح، قدْ تحوّلتْ بقوة القهر إلى أرصدةٍ مهرّبةٍ وعقاراتٍ شاهقةٍ في منافي الأرض، شيّدتْ ببنيانٍ من دموع الفقراء.
وأمام هذا المشهد القاتم، كان لا بدّ لجريرة الإثم أنْ توقظ المارد الساكن، فتنقل الشعب من الصمت الطويل إلى الوعي العارم، مصداقاً للحكمة: «إذا رأيت الظلم يفشو في أمةٍ فاعلمْ أنّ السيل قدْ بلغ الزّبى، وأنّ وراء الأفق فجراً يوشك أنْ ينبثق.» وهنا يتجلى موقف الشعب العراقيّ فما كان صمته عجزاً، بل كان صمت الحكيم يرقب مصائر الأمور، وكبرياء العزيز الذي يترفع عن الدخول في مزادات منْ سلبوا لقمة عيشه. واليوم، ينتصب العراقيون في مقام الشاهد البصير والحكم الديان، فلم تعدْ تنفق سوق التزييف لديهم، ولا عادتْ تخدعهم دغدغة العواطف المذهبية أو الحزبية التي تترس خلفها سدنة الفساد.
لقدْ خلقتْ هذه الفضائح المتلاحقة حالةً من «الوعي العام الجارح» الذي فكّك طلاسم اللعبة، فأضحى الشعب يطالب بـ «المحاسبة الناجزة»، لا بالمسرحيات الهزلية التي تقدّم صغار اللصوص أضاحي لحماية الحيتان الكبيرة. الجماهير تريد رؤية الرؤوس الكبيرة وراء الشباك، وعودة الأموال إلى خزائن الوطن لتبنى بها الحواضر وتشفى الأجساد المنهكة.
وعند منتهى هذا القول، تلوح في الأفق عاقبة الأمر ومآله، لتعلن ختام الدكان ومآل التجارة الخاسرة. إنّ العراق يقف اليوم على حافة منعطفٍ تاريخيٍّ لا يرحم، والسياسة الداخلية فيه باتتْ معلقةً على كفّ إعصارٍ صرصرٍ إنْ لمْ تتداركْها بقايا من ضميرٍ لدى عقلاء القوم. فما عاد في قوس الصبر منزع، وما عاد المواطن يقبل بفتات الموائد بعدما رأى الغنائم تقسم جهاراً نهاراً. وليعلمْ كلّ منْ أثم وخان، أنّ محكمة التاريخ بالمرصاد، وأنّ قلم الحق إذا خطّ خطاياهم، فلنْ تمحوها مساومات الغرف المظلمة ولا حيل القانون. فإما عهدٌ جديدٌ يقطع فيه دابر المفسدين، وإما طوفانٌ يجرف الدكاكين وأصحابها، ويعيد لبغداد وجهها الطاهر النقيّ كما أراده الله لها منذ الأزل.