بقايا خيال: مفهوم الإخلاص للوطن

نشر في 13-07-2026
آخر تحديث 12-07-2026 | 20:35
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

في أوائل ثمانينيات القرن الماضي نشرت مجلة النيوزويك الأميركية تحقيقاً حول الأسلحة النووية التي كانت تمتلكها القوتان العظميان (أميركا وروسيا) حينئذ، وعرضت خريطة مواقع الرؤوس النووية الأميركية بولاياتها الخمسين مرفقاً بعدد هذه الرؤوس، بينما احتوت خريطة روسيا على بعض مواقع الرؤوس النووية دون ذكر عددها، وهو تحقيق يؤكد ثقة الولايات المتحدة الأميركية بقوتها وقدراتها العسكرية. 

في عام 1992 أصدر الجنرال الأميركي نورمان شوارتزكوف كتابه «مذكرات شوارتزكوف»، بعد أن قاد أكثر من نصف مليون جندي يمثلون أكثر من ثلاثين دولة في حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت. وأنت تقرأ هذا الكتاب تشعر كأنك أمام إنسان يفيض بالعاطفة والرقة، وكأنه لم يعرف العسكرية في حياته قط، خصوصاً عندما يعرض أدق التفاصيل العسكرية التي تعتبرها بعض الدول من أسرار أمنها القومي. ولكن عندما تتعمق في الحياة اليومية للأميركيين، تشعر أن الثقة بالنفس هي التي جعلتهم يتحكمون في العالم. ومن خلال ذكرياته، يعرض شوارتزكوف أنماطاً من حياة الأميركيين وطريقة تفكيرهم، ليس في الجيش فقط وإنما في الحياة المدنية العادية أيضاً. 

يقول شوارتزكوف: «لأول مرة في تاريخي الوظيفي قمت بتنفيذ مهام كثيرة ليس لأنني أردتها، وليس لأنني شعرت أنها الشيء الذي يمكن به الارتقاء بالجيش أو ببلادي، ولكن لأنني أعتقدت أنها ستساعدني في الترقي، لذا قررت أن أبدأ الطريق». 

لاحظ أن مَن يتلفظ بهذه الكلمات هو من الجنرالات القلة الذين يحملون أربع نجوم في الجيش الأميركي، وقاد أكبر تجمع وتحالف عسكري في العالم بعد الحرب العالمية الثانية نحو النصر. ولهذا يتوقع من عسكري مثل شوارتزكوف أنه حمل هذه النجوم الأربع بعد أن أثبت أنه وطني ومخلص لبلاده من الطراز الفريد، ورغم ذلك يقول إنه قام بنتفيذ مهام كثيرة ليس من أجل الوطن ولكن من أجل الارتقاء بوظيفته. إنهم صرحاء مع أنفسهم، ولا يتملقون للأوطان، ومع هذا يظل نورمان شوارتزكوف في نظر المخلصين من الأميركيين بطلاً قومياً. عندما تمت ترقية نورمان شوارتزكوف إلى رتبة عميد وقف أمام جنوده في الصباح الباكر على أرض الاستعراضات في القاعدة العسكرية، وقال: «إن أي قائد يعلم عندما تحدث له أشياء جيدة فإنها تحدث بسبب الجنود الذين تحت قيادته، وأنا فخور بهذا اللواء وفخور بالعمل العظيم الذي قمتم به أيها السادة. وعندما حصلت على هذه النجمة هناك جزء صغير منها ينتمي إلى كل شخص منكم. وفي الوقت الذي لا يمكنني فيه إعطاء كل شخص منكم قطعة من هذه النجمة هناك شيء أستطيع أن أفعله لكي أعبّر عن شكري لكم... أريدكم أن تأخذوا اليوم إجازة». 

ترى كم قيادي حولنا يستحق أن يكون على قمة الهرم الوظيفي؟ وكم قيادي وصل إلى هذه القمة بعلمه وبخبرته الميدانية وبإخلاصه وبمجهوده الفردي؟ وكم قيادي استجمع شتات ضميره ووقف بين موظفيه ليقول لهم: «لولاكم لما نلت هذه الترقية، ولولاكم لما وصلت إلى هذا الموقع»؟ وبينما يتصرف شوارتزكوف بكل إنسانية وبسلوك تفيض منه مشاعر الرقة والعطف تجاه جنوده، يعيش بيننا قياديون مدنيون يتصرفون كأنهم عسكريون، رغم جهلهم بكل ما يتصل بالعسكرية، ومَن يدري، فقد تكون حتى شهاداتهم العلمية، التي أوصلتهم إلى هذه المناصب الرفيعة، مزوّرة؟!

back to top