كلمة.: لكي يكون تحديث المنظومة التشريعية بوابة تنمية مستدامة
في إطار الطموحات الإصلاحية للقيادة السياسية، يواصل العزيز المستشار وزير العدل، وفريقه الفني ولجانه المتخصصة، جهودهم الكبيرة لاستكمال تنفيذ الخطة الوطنية لتحديث المنظومة التشريعية لدولة الكويت.
«الجريدة»، تناولت هذا الموضوع، أكثر من مرة، ومن أكثر من زاوية وجانب؛ ولكني أجد في أهميته ما يبرر لي العودة إليه، وأجد في الآراء والوقائع التي أفصح عنها السيد الوزير للصحافة (المنشورة يومي 30 يونيو الماضي والخامس من يوليو الجاري) ما يستحق أن أقف معه وأن أقف عنده، ليس على عتبة النقد الموضوعي أو الثناء المستحق، بل من باب التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لحركة تحديث المنظومة التشريعية التي تعيشها الكويت، ومن باب الحرص على أن تتوافر لهذه الفرصة الاستثنائية الشروط اللازمة لنجاحها في بناء منظومة تشريعية لها من القواعد السليمة ما يرسخ هيبة القانون وعدالته، ولها من اتساع الرؤية ما يعطيها الاستدامة الكافية لمجاراة رياح العصر واستشراف تطورات الغد، ولها من المنهجية والمنطلقات ما يدرأ عنها التساؤلات المشروعة منها والمواربة حول جودتها وجدواها. فمن واقع التجربة الكويتية نلاحظ أنه خلال السنوات من 2010 إلى 2018 صدرت تشريعات عديدة بهدف تحسين أداء الاقتصاد الكويتي، وتوسيع قاعدته، وتصحيح هيكل عمالته، ورفع تنافسيته، غير أن الآثار الإيجابية للكثير من هذه التشريعات لم تكن أبداً على مستوى الآمال. بل إن العديد منها كان يطرح ضرورة تعديله فور إصداره، أو يتعثر تنفيذه لقصور بنيته؛ نتيجة عوامل موضوعية عديدة، على رأسها: عدم الاستناد إلى الدراسة الشاملة، وغياب الاستراتيجية التنموية، وغلبة الاعتبارات السياسية، والانطلاق من ردات الفعل ومشاعر الشك والارتياب، فضلاً عن ضيق قنوات المشاركة والتشاور.
وتطرح قوانين الخصخصة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والصندوق الوطني لرعاية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار المباشر، والمناقصات العامة، والهيئة العامة للطرق... نماذج واضحة للقوانين التي قصر أداؤها عن تحقيق أهدافها، وغيرها العديد.
وبعيداً عن دروس هذه التجربة، نقرأ تصريح معالي وزير العدل، بأنه سيتم - بين يوليو 2026 وديسمبر 2027 - تحديث أو إصدار 150 تشريعاً من أكثر التشريعات تأثيراً في حياة المواطنين وفي الأسرة والإجراءات والاقتصاد. أي بمعدل ثمانية تشريعات لكل شهر، ويومَي عمل ونصف اليوم لكل تشريع.
لا يساورني شك على الإطلاق أن مثل هذا الهدف إنما يدفع إليه حماس وطني صادق، ورغبة في الإنجاز جامحة. ولكني - في الوقت نفسه - على يقين بأن ثمة أموراً في الحياة لا بد أن تأخذ الوقت الكافي لتنضج وتستقر وتعتمد، فلا يجوز فيها تجاوز حدود السرعة، ولا تصلح لها سياسة حرق المراحل. وصناعة التشريع الواضح والعادل وذي الأثر الإيجابي من أول هذه الأمور، إن لم تكن أولها على الإطلاق. وبالتالي، يجب ألا يقودنا الحماس للإنجاز إلى أخطاء التسرّع فيه. وصناعة التشريع - في هذا الصدد - أشبه بصناعة الدواء، تحتاج إلى بحث واستقصاء وتجربة سريرية قبل أن تطرح مخرجاتها للاستعمال العام.
ومن جهة أخرى، ولا تقل أهمية، يجب الانتباه إلى أن العلاقة العضوية والتفاعلية بين محور التحديث التشريعي والمحاور الأخرى للتغيير العميق الذي تعيش الكويت مخاضه، تجعل من الواجب أن ينضم إلى الفريق الفني وورشات العمل التي تتولى مهمة التحديث التشريعي اختصاصيون في مجالات وحقول وأنشطة عديدة طبقاً لطبيعة كل قانون أو تعديل؛ فالتحدي الكبير في حركة التحديث التشريعي لا يقتصر على عملية بناء التشريع فحسب، بل يكمن - أيضاً - في كيفية إدارة هذه العملية وصياغة شروطها وآلياتها، انطلاقاً من إدراك عميق لأهمية المراجعة والتشاور على أكثر من صعيد.
في ضوء هذا كله، ولكي يصب تحديث المنظومة التشريعية في مصلحة الوطن والمواطن والعدل والتنمية، تذكِّر هذه المقالة بما سبق أن دعت إليه عدة جهات وشخصيات كويتية متخصصة، وبما أخذت به دول كثيرة لتطوير وحوكمة واستدامة عملية بناء التشريعات من خلال ما يسمّى «تقييم الأثر التشريعي»، الذي يساعد - إلى حدٍّ بعيد - على تلمُّس الآثار المختلفة للتشريع المقترح، وتُحسَب بموجبه تكلفة هذا التشريع ومردوده على المواطن والمالية العامة، والاقتصاد الوطني، وتركيبة القوى العاملة، والتنافسية المحلية والعالمية.
وتُسنَد مهمة «تقييم الأثر التشريعي» عادة إلى فريق عالي الكفاءات متعدد الاختصاصات، يتبع إدارياً لجهة رسمية عليا، ويحظى فكرياً باستقلالية حقيقية.
وتزخر التجارب الدولية بالنماذج العملية الناجحة للدول التي جعلت «تقييم الأثر التشريعي» واجباً قانونياً. وتمتد هذه الدول من الولايات المتحدة الأميركية إلى الهند وإندونيسيا، مروراً بمعظم الدول الأوروبية. وفي فرنسا بالذات، ارتقى ليصبح نصاً دستورياً، يفرض على «دراسة الأثر التشريعي» أن تبيّن - بين أمور أخرى - أسباب اللجوء إلى التشريع المقترح، وأهدافه، والبدائل غير التشريعية الممكنة. وأصدرت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» توصيات ومبادئ للخروج بالعملية التشريعية من نطاق الاجتهاد إلى صعيد المنهج العلمي القائم على معايير وأهداف قابلة للقياس. كما لم يتخلف الاتحاد الأوروبي عن هذا الاتجاه، فأصدر مبادئ توجيهية في هذا الصدد، وأنشأ هيئة مستقلة لذلك تحت سلطة رئيس المفوضية الأوروبية.
وأخيراً، لا أزعم أبداً أني صاحب اختصاص قانوني، ولا أنكر أبداً أنه ليس بمقدوري وليس من الممكن في إطار مقال كهذا، أن أبحر في هذا الموضوع إلى مياه أعمق.
وإني إذ أكرر الثناء على جهود وحماس الناهضين بمسؤولية تحديث المنظومة التشريعية في وطني، أود أن أؤكد أن المطالبة بجعل دراسة الجدوى التشريعية مرحلة إلزامية في أي عملية تشريعية أو تعديلية، ليست دعوة للبطء والتعقيد، بل هي دعوة للجودة والجدوى، وتمسُّك بالدقة والاستدامة.