في المرمى: أبطال بلا أهداف

نشر في 12-07-2026
آخر تحديث 11-07-2026 | 19:34
 عبدالكريم الشمالي

قبل أن تبدأ المباريات، تتجه الأنظار دائماً إلى أصحاب القمصان رقم 9 و10، وتُكتب العناوين بأسماء الهدافين وصناع اللعب، لكن مع مرور البطولة يظهر نوع آخر من الأبطال، فحين تنتهي المباراة تتجه الكاميرات عادة إلى صاحب الهدف، وتتزين العناوين باسم المهاجم، وكأن كرة القدم لا تعترف إلا بمن هز الشباك، لكن الحقيقة أن هناك أبطالاً لا يسجلون هدفاً واحداً طوال البطولة، بل يمنعون شباكهم من الاهتزاز، أبطال لا يسجلون هدفاً واحداً، لكنهم قد يصنعون بطولة كاملة ويكونون السبب الأول في استمرار منتخباتهم بالحلم.

ولعل أشهر دليل على ذلك ما فعله حارس المرمى الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز في نهائي كأس العالم 2022، فقبل ثوانٍ من نهاية الوقت الإضافي انفرد به كولو مواني في فرصة كانت تعني اللقب لفرنسا، لكن تصديه الخرافي أبقى الأرجنتين على قيد الحياة، وعاد في ركلات الترجيح ليقود منتخب بلاده إلى التتويج بالمونديال، في هذه المباراة لم يسجل مارتينيز هدفاً، لكنه قدم تصديين لعل قيمتهما كانت أكبر من أي هدف في المباراة، ليؤكد أن بعض البطولات تُحسم بقفاز حارس أكثر مما تُحسم بقدم مهاجم.

وفي كأس العالم 2026، تكرر المشهد بأشكال مختلفة، فقد واصل حارس مرمى المنتخب المغربي ياسين بونو تأكيد مكانته بين أفضل حراس العالم، وكان صمام الأمان لمنتخب المغرب في رحلة جديدة نحو الأدوار الإقصائية، وبثقة كبيرة وتصديات حاسمة منح زملاءه شعوراً بأن الخطأ يمكن إصلاحه، وأن خلفهم رجلاً قادراً على إنقاذ الحلم في أصعب اللحظات، ولا أبالغ إن قلت إنه لولا بونو لكان المنتخب المغربي تكبد خسارة تاريخية أمام فرنسا في الدور ربع النهائي، أو ربما لم يكن في هذا الدور أصلاً.

ولعل الأمر ذاته ينطبق على منتخب مصر، الذي قدم معه مصطفى شوبير بطولة استثنائية، وتحول إلى أحد أبرز أسباب وصول الفراعنة إلى الأدوار الإقصائية، قبل الخروج المشرف أمام الأرجنتين وبصعوبة بالغة كان أحد أسبابها هو شوبير، ففي مباريات تعرض خلالها المنتخب لضغط هجومي كبير، كان يتعامل مع الموقف بهدوء وثبات، لتصبح تصدياته بمنزلة أهداف مؤجلة حافظت على آمال المصريين حتى النهاية.

أما القصة الأجمل فجاءت من الرأس الأخضر، فالحارس فوزنيا دخل البطولة بعيداً عن الأضواء، لكنه خرج منها واحداً من أكثر الأسماء تداولاً، تصدياته المذهلة أمام منتخبات تفوقه خبرة وإمكانات صنعت الإعجاب العالمي، وأسهمت في بلوغ منتخبه الدور الإقصائي للمرة الأولى، قبل أن يودع المنافسات بصعوبة أيضاً أمام الأرجنتين وهو مرفوع الرأس، بعدما كان حارسه أحد أهم أسباب تلك الرحلة التاريخية.

لذلك نقول إن الهداف يكتب اسمه في لوحة النتيجة، أما الحارس فيكتبه في ذاكرة الجماهير، فهناك أهداف تُنسى بعد سنوات، لكن تصدياً واحداً قد يبقى خالداً لعقود، لأنه غيّر مسار مباراة، أو أنقذ بطولة، أو منح شعباً بأكمله فرصة للحلم، ولمن يريد أن يستزيد فليقرأ ما بتعليق أسطورة كرة القدم البرازيلي بيليه عن تصدي أسطورة حراسة المرمى الإنكليزية غوردن بانكس لرأسيته الشهيرة خلال مقابلة الفريقين في بطولة العالم 1966 بقوله إنه «أجمل هدف لم أسجله».

بنلتي

بينما ينشغل الجميع بسباق الحذاء الذهبي، تستحق القفازات الذهبية بعضاً من الأضواء أيضاً، ففي كرة القدم قد يذهب لقب الهداف إلى من يسجل أكثر، لكن كثيراً من البطولات تذهب إلى من يمنع الهدف الأهم، ففي النهاية ليست كل الأرقام تُكتب بالأقدام فبعضها يُرسم بقفازين، وليس كل الأبطال يحتفلون أمام المرمى... «فبعضهم يقف على خطه».

back to top