هل الدعوة إلى التفاؤل... ترف؟
تشكل صناعة التفاؤل استعداداً معرفياً يتجاوز مجرد الاستبشار البسيط والسطحي، لتطرح نفسها اليوم كضرورة وجودية حتمية وليست ترفاً فكرياً عابراً، خاصة عندما يمتلئ الواقع الذي يعيشه الإنسان بالمحن والظروف الصعبة التي تفرض التشاؤم واليأس كتيّار سائد يبتلع وعي وعقل الأفراد ويقيد حريتهم النفسية، ففي الوقت الذي تضيق فيه البيئة المحيطة بالمشكلات والتحديات المزمنة كالاكتئاب والقلق الاجتماعي والارتباك الشديد الذي يملأ دماغ البعض بالتوتر في المواقف الحياتية المتنوعة، يأتي هنا التفاؤل كـ «درع نفسية» وقائية واستراتيجية، فيتدخل ليفك حدة التأثيرات التدميرية للتشاؤم وخوف الفرد المستمر من الأحكام السلبية والإحباطات التي تتربص به في محيطه بشكل عام، وإن تبني النظرة التفاؤلية وسط بيئة محبطة يمنح الفرد، وبخاصة الفئات التي تواجه ظروفاً استثنائية وأزمات حاسمة، مقومات المواجهة والصلابة والتحكم في الذات، فالشخص المتفائل يمتلك استعداداً فصيحاً يرفض من خلاله الاستسلام للفشل والتحديات في المرة الأولى، ويراها مجرد خبرة عابرة وتحدٍّ يؤهله للتأقلم وتحقيق النجاح في المرات القادمة، مما يحول التفاؤل من مجرد نزعة عاطفية إلى آلية سيكولوجية نشطة تمنع الانسحاب والتجنب الاجتماعي وتطلق طاقات الفعل والعمل برغبة وهمة وثقة بالنفس.
لذلك تتجلى ضرورة صناعة التفاؤل القصوى والملحة في كونه الغذاء الأساسي لحماية «تقدير الذات» من التآكل والاضطراب تحت وطأة النظرة السوداوية وفقدان الأمل، إذ أثبتت بعض البحوث النفسية أن نمو النزعة التفاؤلية يرفع من مستوى الرضا العام عن النفس واحترام كفاءتها وجدارتها الشخصية، والأكاديمية، والعائلية، وإن الوعي التفاؤلي يحمي البناء المعرفي للفرد ويمنعه من تبني التفسيرات التشاؤمية وتشويه الحقائق، مما يصنع نموذج حماية للنفسية بشكل متكامل الأركان يضمن الحفاظ على الصمود والاتزان حتى في أشد ظروف الشدائد وافتقار المحيط الخارجي إلى الدعم والمساندة، ومن هنا يوصي الإرشاد النفسي الحديث بضرورة تحويل التفاؤل إلى «صناعة وتدريب معمّم»، من خلال ورش عمل وندوات وبرامج مكثفة في كل المؤسسات التعليمية والتربوية، وإن مواجهة واقع التشاؤم بتعزيز مهارات التفاؤل وتقدير الذات لا يسهم فقط في تخليص الأفراد من مشاعر الاستسلام، والإحباط، والدونية، بل يبني مجتمعاً مرناً مستقراً يمتلك وعياً قوياً بذاته وبيئته، قادراً على الإقبال على المحاولات الجديدة والتكيف التام وبلوغ أعلى درجات السعادة والرضا بوعي وبساطة.
* باحث أكاديمي