في ميزان المعنى: ما بعد صندوق الكويت للاستجابة... الاستثمار في القدرة

نشر في 10-07-2026
آخر تحديث 09-07-2026 | 18:19
 سعد مرزوق العتيبي

يُعد إطلاق صندوق الكويت للاستجابة الطارئة خطوة وطنية تعكس حرص الكويت على تطوير أدواتها في مواجهة الأزمات والكوارث، غير أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في حجم التمويل المخصص لها، فالكويت لم تكن يوماً عاجزة عن توفير الموارد المالية عند الحاجة، وإنما تكمن في قدرتها على تحويل التمويل إلى استجابة أكثر سرعة، وكفاءة، وتنظيماً، وأثراً، فالتمويل يوفّر الإمكانات، أما القدرة فهي التي تحوّل تلك الإمكانات إلى نتائج ملموسة.

وفي إدارة الأزمات، لا تُقاس كفاءة الدول بما تملكه من موارد وقت الأزمة، بل بما أعدّته قبل وقوعها من جاهزية، فالتحدي الأكبر لا يكمن في توفير المال، بل في القدرة على الوصول إلى المتضررين في الوقت المناسب، واتخاذ القرار بسرعة وتوظيف الإمكانات البشرية واللوجستية بكفاءة عالية، فالأزمات لا تكشف حجم الموارد بقدر ما تكشف مستوى الجاهزية، وهنا تبدأ المرحلة الأهم... ما بعد إطلاق الصندوق.

إن نجاح هذه المبادرة يتطلب أن يكون الصندوق جزءاً من منظومة وطنية متكاملة للاستجابة، لا مجرّد أداة للتمويل، فالاستثمار في القدرة يعني الاستثمار في الإنسان، والبيانات، والقرار، والشراكة، والجاهزية، وهي العناصر التي تصنع استجابة فعالة قبل أن تصنعها الأموال، فبناء المنظومة يبدأ قبل وقوع الأزمة، لا عند وقوعها.

ومن أهم مكونات هذه المنظومة إنشاء قاعدة بيانات وطنية للاستجابة الطارئة، تضم الخبرات والتخصصات، والفرق الميدانية، والمتطوعين، والجهات الشريكة، والإمكانات اللوجستية، حيث تكون متاحة لصانع القرار فور وقوع أي أزمة، فالوقت في مثل هذه الظروف لا يقل قيمة عن الموارد، وكل دقيقة تُختصر في التنسيق قد تعني إنقاذ حياة، وتقليل خسائر، وتسريع التعافي.

كما أن المرحلة المقبلة تستدعي إعداد إستراتيجية وطنية للاستجابة للطوارئ، تحدد الأدوار والمسؤوليات، وتعزز الشراكات مع الجمعيات والمبرات الخيرية، وتتبنى برامج تدريب، وتضع مؤشرات لقياس الجاهزية، وتكرس مبادئ الحوكمة والشفافية، إلى جانب إعداد خطط للتعافي، بما يجعل الاستجابة عملية مؤسسية متكاملة تبدأ بالاستعداد، ولا تنتهي بانتهاء الأزمة.

وفي هذا السياق، تمتلك الكويت تجربة وطنية جديرة بالبناء عليها، تتمثل في المنصة الوطنية الخيرية التي أُطلقت بالتنسيق والتعاون بين وزارة الشؤون الاجتماعية واتحاد الجمعيات والمبرات الخيرية الكويتية، وقد أثبتت هذه التجربة أهمية وجود منصة موحدة لتنظيم الجهود، وتسريع التنسيق، وتوجيه الموارد، وتجنّب ازدواجية العمل، ويمكن تطوير هذه المنصة وربطها بمنظومة الاستجابة الوطنية لتكون أحد أهم أدوات تعبئة قدرات القطاع الخيري، ومساندة جهود الدولة عند الطوارئ.

لقد رسّخت الكويت مكانتها الإنسانية عبر عقود من العطاء، واليوم تمتلك فرصة لتضيف إلى هذا التاريخ بُعداً جديداً، يتمثل في الريادة في بناء منظومة مؤسسية متقدمة لإدارة الأزمات والاستجابة للطوارئ، فالدول تصنع ريادتها بما تبنيه من قدرات، وما ترسخه من جاهزية، وما تعززه من تكامل بين مؤسساتها.

في ميزان المعنى

إن الصناديق توفّر الموارد، أما المنظومات فتوفر القدرة، والمال قد يمول الاستجابة، لكنّ الجاهزية هي التي تصنع أثرها، وتختصر آثار الأزمات، وتحوّل الإمكانات إلى حماية، والتعاون إلى قوة وطنية، والثقة إلى رصيد يعزز أمن المجتمع واستقراره.

back to top