في المرمى: اللعب النظيف لمن يملك النفوذ!
قبل كل مباراة، كان الاتحاد الدولي «قبل أن يغيّر رأيه في بطولة كأس العالم الحالية ويستبدله بخارطة مذهبة» كان يزين الملاعب بلافتات ضخمة تحمل شعاره الأشهر: «اللعب النظيف»، وهو شعار جميل، أنيق، إلا أنه قد يصلح للإعلانات والصور التذكارية، لأنه في الأيام الأخيرة بدا كأنه يحتاج إلى إضافة صغيرة: «اللعب النظيف باستثناء أصحاب النفوذ».
فالقرار بتعليق عقوبة إيقاف مهاجم المنتخب الأميركي بالوغان، بعد تدخل مباشر من الرئيس الأميركي وطلبه من رئيس الاتحاد الدولي السويسري جياني إنفانتينو إعادة النظر في العقوبة، لم يكن مجرد تعديل لقرار انضباطي، بل إعلان غير رسمي بأن أبواب اللوائح ليست مغلقة كما كانوا يحدثوننا، وإنما تفتح بالمفتاح السياسي المناسب.
واللافت هنا أن الاتحاد الدولي منذ سنوات طويلة يحدثنا عن استقلالية القرار، وعن رفض التدخلات السياسية، وعن قدسية اللوائح، ثم اكتشفنا أن كل تلك المبادئ قد تتحول إلى «وجهة نظر» إذا جاء الاتصال من البيت الأبيض، لا من غرفة الـ«VAR»، والأجمل أن هذا القرار فتح شهية الجميع، ففرنسا وإنكلترا وغيرهما بدأوا يطالبون بالمساواة وإعادة النظر في العقوبات التي طالت لاعبيهم، ومن يلومهم؟ إذا كانت العدالة تُمنح بالطلبات، فمن حق الجميع أن يرسل طلباً، أو يجري اتصالاً، أو يبحث عن رئيس دولة يكون متفرغاً للدفاع عن مهاجم موقوف، أما شعار «اللعب النظيف»، فقد تلقى بطاقة حمراء مستحقة، لأن النزاهة لا تُقاس بما يحدث داخل الملعب فقط، بل بما يحدث في المكاتب، وخلف الأبواب الموصدة أيضاً، وما قيمة المنافسة إذا كان القانون يتغير بحسب هوية من يطرق الباب؟
وليت الأمر توقف هنا، بل كان أكثر غرابة بعد أن مرّت اتهامات الرئيس الأميركي للحكم البرازيلي رافائيل كلاوس الذي أدار مباراة فريقه أمام البوسنة والهرسك وأشهر البطاقة الحمراء بوجه اللاعب الأميركي، وما حملته من تلميحات تمس نزاهته، مرور الكرام، فالاتحاد الدولي، الذي اعتاد إصدار البيانات الغاضبة دفاعاً عن الحكام ونزاهتهم والتصدي لأي تصريح من أي طرف إدارياً كان أو مدرباً غاضباً أو حتى لاعباً مستبدلاً يمس من التحكيم، اختار هذه المرة الصمت، وربما رأى أن الصافرة ليست أعلى صوتاً من الهاتف.
ولذلك لم يكن غريباً أن يصف الاتحاد الأوروبي القرار بأنه «مدهش وغير مقبول»، فالصدمة ليست في إيقاف لاعب أو مشاركته، بل في أن تصبح قوانين كرة القدم قابلة للتفاوض، وأن يتحول القانون من نص ثابت إلى مادة مرنة تتمدد وتنكمش بحسب وزن المتصل.
ولعل من المؤكد أنه إذا استمرت كرة القدم على هذا الطريق، فقد لا نحتاج مستقبلاً إلى لجان انضباط أو استئناف أو محكمة رياضية، فيكفي أن تُضاف في لوائح البطولة فقرة جديدة بعنوان: «للاستفسارات والتعديلات يرجى التواصل مع أصحاب النفوذ»، وعندها يمكن للاتحاد الدولي أن يوفر على نفسه عناء رفع شعار «اللعب النظيف»، لأنه لا أحد يصدقه بعد اليوم.
بنلتي
ربما في النسخ المقبلة من بطولات ومنافسات كرة القدم التي يشرف عليها «فيفا» بقيادة إنفانتينو، لن يكون السؤال بعد نهاية المباريات: من سجل الهدف؟ بل: من أجرى الاتصال أو سيجري اتصالاً؟ أما شعار «اللعب النظيف»، فربما حان الوقت لاستبداله بلافتة أكثر واقعية: «كرة القدم للجميع، لكن بعضهم أكثر مساواة من الآخرين».