بقايا خيال: حكوماتنا المتعاقبة دفعتنا لمخالفة القوانين
منذ وفاة رئيس لجنة إزالة التعديات على أملاك الدولة، التابعة لمجلس الوزراء، الفريق الركن الراحل محمد البدر، في مارس 2017، والحكومات الكويتية المتعاقبة تغضّ النظر عن مخالفات المواطنين وتعدياتهم السافرة على أملاك الدولة.
أي أن 18 تشكيلة حكومية تعاقبت على إدارة شؤون البلد دون أن تمنع أبسط مواطن كويتي من التعدي على أملاك الدولة. أملاك الدولة في العُرف القانوني أو الدستوري مال عام محرّم المساس ومُجرّم العبث به، ورغم ذلك يرى كثيرون أن مفهوم المال العام يقتصر على النقد ومحصور في «الكاش» فقط. ولهذا فإن سكوت كل هذه الحكومات عن التطاول على أملاك الدولة هو بمنزلة ترخيص شفوي يسمح للمواطن بإقامة أي منشأة على أي شبر يحيط بمنزله حتى لو كان فوق موقع خدمات عامة.
إن أي إنسان يرى ويستشعر هذا السكوت الحكومي عن الكمّ الهائل من التجاوزات على أملاك الدولة سيعتقد أن التجاوز غير مخالف، ليتمادى المواطن في مخالفاته.
بل إن غالبية المواطنين اعتقدوا أن استخدام بضعة أمتار تحيط بمنزله هو حق مكتسب لا ينازعه عليه أيًّا كيان، حتى لو كان كياناً حكومياً. ولهذا لم يتردد مئات المواطنين في كل ضاحية من الضواحي الكويتية في إنفاق آلاف الدنانير لإقامة حدائق وخيام ودواوين وما شابه كوسيلة من وسائل الترفيه عن النفس، بعد أن غيّبت الدولة نفسها عن إقامة منشآت ترفيهية.
ثم فجأة وبعد 9 سنوات عجاف يخرج مارد الحكومة من قمقمه ليعاقب مواطنين اعتقدوا أنهم يساهمون بتجميل المنظر العام في منطقتهم بالمزروعات. المشكلة ليست في طريقة خروج هذا المارد من القمقم، ولكن في توقيت خروجه، الذي جاء في صيف اعتاد فيه الكويتيون السفر للاصطياف في بلاد الله الواسعة، ولا يبقى في بيوتهم سوى الخدم والسواق الذين لا يملكون قرار تنفيذ إزالة المخالفات، ولا القدرة على سداد الغرامات. فقد بدأت البلدية غزوتها على مخالفات مواطنين لن يعود أغلبهم إلّا بنهاية الصيف. حينها تكون طيور البلدية قد طارت بغرامات وتكاليف إزالة وأحكام سجن صدرت ضد مواطنين كان بإمكانهم تنفيذ كل القرارات الحكومية بحذافيرها لولا وجودهم خارج البلاد. ومَن يدري فقد يكون بعض موظفي البلدية ممن عليه تنفيذ قرارات الإزالة موجوداً خارج البلاد لغرض السياحة، ليقوم بعملية التنفيذ بالمراسلة، أو أن يغضّ النظر عن تنفيذها مؤقتاً حتى العودة إلى الوطن.
أنا أجزم بأن الكويتيين بشكل عام يحاولون تطبيق القوانين بحذافيرها لو استشعروا جديّة في التنفيذ، وأعلم أن الحكومة الحالية، ممثلة بالبلدية جادة في تطبيق القوانين لمصلحة البلد والمواطنين، الذين يعشقون هذه الأرض. لكن المشكلة أن العين بصيرة واليد قصيرة، فكثير ممن تنطبق عليهم قرارات الإزالة إما أنهم خارج الكويت، أو على وشك المغادرة لبدء إجازاتهم الصيفية، ولا وقت لديهم للتفرغ لإزالة التعديات. لهذا أرجو من الحكومة الرشيدة الممثلة بمعالي وزير البلدية الموقر أن ينظر بعين الرعاية في ظروف الصيف وأوضاع الكويتيين ليقرر تأجيل قرار تنفيذ الإزالة إلى بداية شهر أكتوبر المقبل عندما يكون الكويتيون موجودين بالداخل لتنفيذ القوانين وإزالة التعديات.