وجهة نظر: هل صناديق المصدّات المالية بديلة عن التنويع الاقتصادي؟
من المهم التمييز، في البداية، بين صناديق المصدّات المالية Buffer Fiscal Funds، وصناديق الثروة السيادية Sovereign Wealth Funds. ويُنظر للصناديق الأولى على أنها قصيرة الأجل وتهتم، بشكل رئيسي، بتمويل الموازنات في فترات العجز، وكأداة رئيسية لضمان الاستقرار المالي للموازنات العامة خلال انخفاض أو انهيار الإيرادات العامة، النفطية في حالة دولة الكويت.
في حين أن الصناديق الثانية، السيادية، ذات بُعد طويل الأجل، وتهتم أساسا باستثمار الفوائض في مختلف الأسواق لبناء ثروة وطنية وإدارة إيرادات الموارد الناضبة، النفطية مثلا، لتوفير تدفقات آمنة من الدخل للأجيال القادمة. ويتكون صندوق الثروة السيادي (SWF)، في حالة دولة الكويت، من: صندوق الاحتياطي العام GRF، ويمثّل صندوق المصدات المالية، الذي أنشئ بالمرسوم رقم 106 لسنة 1976، وصندوق الأجيال القادمة (FGF). وتم تأسيسه عام 1953، باعتباره أول صندوق ثروة سيادية في العالم. وذلك بهدف تقليل الاعتماد على مورد نفطي واحد، ومن خلال الاستثمارات الخارجية المتنوعة جغرافيا، وقطاعيا. علما بأن الصندوق السيادي الكويتي هو أحد مؤسسي «مبادئ سنتياغو Santiago Principles»، الذي تم إعلانه بدولة الكويت، في أبريل عام 2009 تحت مسمّى» إعلان الكويت»، والمتكون من 24 مبدأ تتضمن الشفافية، والحوكمة، والمساءلة في مجال إدارة الصناديق السيادية. ويتألف أعضاء الإعلان من الصناديق الأعضاء في المنتدى العالمي لصناديق الثروة السيادية (IFSWF).
ورغم الأهمية القصوى للصندوق الأول، الأجيال القادمة، كأحد مصادر تنويع الدخل، فإنّ أوضاعها المالية تعتمد، بشكل رئيسي، على تطورات الأوضاع الاقتصادية العالمية بكل أسواقها المالية (التي يُستثمر بها حوالي ثلاثة أرباع أصول الصناديق السيادية عالميا)، وغير المالية (خسرت هذه الصناديق، على المستوى العالمي، بسبب الأزمة المالية، عام 2008، حوالي 600 مليار دولار من قيمة الأصول، ورقيا، من نحو 3.6 تريليونات دولار الى حوالي 3 تريليونات.
وكأحدث مثال، انظر هبوط قيمة أسهم شركة SpaceX، يوم 22 يونيو الماضي بنحو 16 بالمئة من قيمة الاكتتاب العام الأوّلي، (أو ما يعادل 600 مليار دولار)، واحتمال التأثُّر بالمشاكل المحلية، وصعوبة النفاد للأصول المُستثمرة، خارجيا، أثناء الأزمات المفاجئة. ولا يعتبر هذا الصندوق، أي الأول، أداة سياسة مالية لضمان استقرار الموازنة العامة وتمويل عجزها، كما تنص عليه أهداف الصندوق، كما هي الحال، مثلا، في تجربة الصندوق السيادي بمملكة النرويج (انظر في هذ التجربة كتابنا: الإصلاح الاقتصادي في اقتصاد ريعي، مع إشارة لحالة الاقتصاد الكويتي، 2025).
ورغم الإشارة الى أن أحد أهداف الصندوق الأول هو التنويع، فإن هذا التنويع يجب أن يكون في سياق التنويع المُولد للنمو Growth Engine، والمُساهم في تنويع مصادر الناتج المحلي الإجمالي، والصادرات، والمُساهم في الحدّ من اختلالات سوق العمل، والأهم استدامة التنويع.
أما صناديق المصدّات المالية، الصندوق الثاني، فهي إدارة رئيسية من أدوات السياسة المالية من خلال كونها المصدر الرئيسي لتمويل عجز الموازنة العامة (وفقا للمرسوم رقم 106 المشار اليه أعلاه، في حالة دولة الكويت). بالإضافة لدورها الأساسي من خلال الإنفاق المضاد للدورة الاقتصادية Countercyclical. إلّا أن هذا الإنفاق يجب أن يكون مقترنا بجهود وإصلاحات مرتبطة بالتعامل الرشيد مع الأسباب الجوهرية لعجز الموازنة العامة، وأغلبها يعود لعوامل تتحدد خارج الموازنة، مثل تواضع الأداء المؤسسي والإداري، وفشل السياسة الصناعية (وما تتضمنه من تواضع في تحقيق أهداف سياسة إحلال الواردات على أسس رشيدة وغير ريعية)، والتحيّز للأنشطة التجارية، والفشل في تعبئة الحيّز المالي المتاح، والحاجة الملحّة للإدارة الاقتصادية الكلية، والعديد من العوامل الأخرى المتسببة في استمرار الاعتماد على الصندوق الثاني، والقروض في حالة نضوب تمويل هذا الصندوق.
وتبقى أهمية الصندق الجوهرية في حالة الصدمات، إلّا أن هذه الحاجة يجب ألا تكون مستدامة، وذلك لأن وظيفة الصندق أصبحت لمعالجة نتائج عدم التنويع، وليس التكيّف مع الصدمات، وهو الأمر الذي يُخرج الصندوق عن وظيفته الأساسية، من خلال اعتبارة بديلا عن التنويع، ومصدرا مستمرا لتمويل عجز الموازنة، خاصة بعد موازنة عام 2015/ 2016، واللجوء للاقتراض بعد تآكل سيولة الصندوق التي تعود، ضمن أسباب أخرى، الى عدم التخطيط لضمان الانضباط المالي Fiscal Consolidation، وضمن إطار من إدارة شاملة للاقتصاد الكلي.
أخيرا، من المفيد تعزيز النظرة العكسية بين الموازنة العامة للدولة، الصندوق، الثاني، يُعد أمرا جوهريا (من خلال تغذية الصندوق بالمزيد من التمويل الناتج عن التنويع، اقتصاديا وماليا). ولا يتم ذلك إلّا من خلال الاقتناع بأن الصندوق ذو وظيفة مرتبطة بامتصاص الصدمات، بشكل أساسي، وأن إصلاح الموازنة مرتبط أساسا بإصلاح برامج النمو الحقيقي، من خلال الموازنات المتوسطة الأجل، وبالمعنى المتعارف عليه دوليا، وليس بالمعنى المحاسبي الضيق السائد. وأن استمرار عمل الصندوق كبديل للتنويع لا يمكن ضمانه في الأجل الطويل. كما أن تقلّبات الأسواق الماالية، خاصة في فترات الانهيار، قد تجعل من نسب إجمالي الأصول للصناديق، الأولى، الى الناتج المحلي الإجمالي، التي تفوق 100 بالمئة بكثير، غير مستدامة في الآجال الطويلة، وبالتالي تأثير ذلك المحتمل على تقييم آفاق الاستقرار الاقتصادي Outlook، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على خيار لاستدامة القروض.
إن الحكمة تتطلب، دائما، التفكير الاقتصادي ضمن إطار كلّي أكثر شمولا، للحدّ من أي مخاطر اقتصادية مستقبلية محتملة لا قدّر الله.