الخرف... حين يسرق الإنسان من نفسه
الخرف ليس مجرد غيابٍ للذاكرة، بل هو انطفاءٌ بطيءٌ لملامح الهوية، كأن الإنسان يفقد، صفحةً بعد صفحة، صوته الذي يعرفه الناس به، ووجهه الذي ألفوه، وحكايته التي كانت تجمع شتات عمره.
أين العلم الذي جمعه عبر السنين؟ أين الفصاحة التي كانت تأسر السامعين؟ أين الهيبة التي كانت تسبق حضوره؟ وأين الحكمة التي كانت الأسرة والأصدقاء يرجعون إليها كلما استعصى عليهم أمر؟
قد يختفي كل ذلك تدريجياً، وكأن العمر يطوي صفحات كتاب امتلأ بالعلم والتجارب والذكريات.
المؤلم في الخرف أنه لا يسرق الذكريات من صاحبها فحسب، بل يسرق من أسرته جزءاً من الإنسان الذي عرفوه وأحبوه.
لكن الخبر المطمئن أن الخرف ليس قدراً محتوماً. فالعلم اليوم يؤكد أننا، وإن لم نستطع منع جميع حالات الخرف، نستطيع في كثير من الأحيان تأخير ظهوره وتقليل خطر الإصابة به، وربما لسنوات.
لقد تغير مفهوم الوقاية من الخرف في السنوات الأخيرة. فلم يعد الاهتمام مقتصراً على الدماغ وحده، بل أصبحنا ندرك أن صحة الدماغ تبدأ من صحة القلب، وجودة النوم، وسلامة السمع، ونمط الحياة اليومي.
ومن أهم العوامل التي أثبتت الدراسات دورها في تقليل خطر الخرف:
● المحافظة على صحة القلب، وضبط ضغط الدم والسكري والكوليسترول.
● ممارسة النشاط البدني بانتظام.
● اتباع نظام غذائي صحي.
● تنشيط العقل بالقراءة، والتعلم المستمر، واكتساب مهارات جديدة.
● المحافظة على العلاقات الاجتماعية وتجنب العزلة.
● علاج ضعف السمع مبكراً وعدم التعايش معه دون تدخل، إذ تشير الدراسات إلى أن فقدان السمع غير المعالج يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف على المدى البعيد، ويزداد هذا الخطر كلما ازداد ضعف السمع.
● الاهتمام بالنوم وعلاج اضطراباته، وخاصة انقطاع التنفس أثناء النوم، فالنوم ليس مجرد راحة للجسد، بل هو فترة حيوية يستعيد فيها الدماغ نشاطه، أما نقص النوم فيؤدي إلى نقص متكرر في الأوكسجين، وقد ارتبط بزيادة خطر التراجع المعرفي والخرف مع مرور السنوات.
تشير التقديرات العلمية إلى أن نسبة كبيرة من حالات الخرف ترتبط بعوامل يمكن تعديلها، وهو ما يمنحنا فرصة حقيقية للوقاية إذا بدأنا مبكراً، قبل ظهور الأعراض بسنوات.
الخرف لا يبدأ يوم ينسى الإنسان اسمه، بل يبدأ بصمت، قبل ذلك بسنوات. ولهذا فإن الوقاية لا تبدأ في عيادة الذاكرة، بل تبدأ في عيادة ضغط الدم، وعيادة السكري، وعيادة الأنف والأذن والحنجرة، وعيادة أمراض النوم، وتبدأ قبل ذلك كله في أسلوب حياتنا اليومي.
قد لا نستطيع أن نوقف الزمن...
لكننا نستطيع أن نحافظ على قلوبنا، ونعتني بسمعنا، ونحسن نومنا، وننشط عقولنا، لنمنح أنفسنا سنواتٍ أكثر من الصفاء، وذاكرةً أطول بقاءً، وحياةً نعيشها بوعي واستقلالية وكرامة.
فالاستثمار الحقيقي في صحة الدماغ لا يبدأ عند الشيخوخة... بل يبدأ اليوم.
* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية،
وزارة الصحة.
قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.