استعادة مسار التنمية

نشر في 08-07-2026
آخر تحديث 07-07-2026 | 19:57
 د. عبدالعزيز إبراهيم التركي

تقف الكويت أمام مرحلة مفصلية تتطلب إعادة صياغة نموذجها التنموي لتجسيد رؤية كويت جديدة 2035. إن الانتقال نحو اقتصاد مستدام ومبتكر يتطلب منظومة إدارية متجددة تقوم على الحوكمة والفاعلية، خصوصاً في ظل تحديات اقتصادية تستوجب سرعة الاستجابة والتحرك بمرونة أكبر. تظهر الحاجة الملحّة لهذا التحول في المؤشرات الهيكلية، إذ يستحوذ القطاع العام حالياً على نحو 80 بالمئة من القوى العاملة الوطنية، وهو واقع يضغط على الميزانية العامة ويحد من ديناميكية السوق المحلي. إن الانتقال من الدولة الراعية إلى الدولة التنموية ذات الاقتصاد المتنوع يتطلب تبني الإدارة القائمة على النتائج، بحيث لا يُقاس النجاح بمعايير الإنفاق والميزانيات المعتمدة، بل بالأثر الملموس في مؤشرات التنافسية العالمية وجودة الحياة. 

وفي هذا السياق، تبرز قطاعات استراتيجية كركائز أساسية للرؤية: 

أولاً: التحول الرقمي وتبني تطبيقات الحكومة الذكية، وهذه الخطوة لا تعني مجرد رقمنة المعاملات الورقية، بل إعادة هندسة الإجراءات بالكامل لتواكب متطلبات العصر، وذلك من خلال تأسيس مجلس للسياسات الرقمية يتمتع بصلاحية إلغاء الإجراءات البيروقراطية المتكررة والمتشابكة بين مختلف الوزارات، مع الربط المتكامل للبيانات بين الجهات الحكومية لتقليص مدة إنجاز المعاملات بنسبة 70 في المئة، مع اعتماد نموذج الخدمات الاستباقية حيث تصل الخدمة للمواطن قبل طلبها، وهو ما يعزز ثقة المجتمع في أداء التعاملات الحكومية. 

  ثانياً: الطاقة المتجددة واقتصاد المستقبل تستهدف الرؤية الوصول إلى 15 في المئة من الطاقة المتجددة بحلول 2030، لتنويع مصادر الطاقة وهو تحدٍّ إداري وتنظيمي لا يقل أهمية عن الجوانب التقنية. لذا يجب الانتقال إلى نموذج الحوكمة التشاركية، وتمكين هيئات تنظيم الكهرباء والماء من استقطاب كفاءات فنية متخصصة بعيداً عن قيود الكادر التقليدي. كما يجب إطلاق مسرعات مشاريع الطاقة التي توفر مساراً سريعاً للمستثمرين في مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، مع ربط الحوافز الحكومية بتحقيق نسب فعلية لتوطين الخبرات التكنولوجية ونقلها عن طريق التدريب إلى الكوادر الوطنية، وكذلك نقترح الخطوات التالية: 

1- إدارة المواهب النوعية: إنشاء وحدة استقطاب العقول الحكومية للكفاءات الوطنية المتميزة في مجالات التقنية والطاقة، مع منحهم حوافز أداء مرتبطة بنتائج الابتكار.

 2- حوكمة البيانات: تحويل البيانات الحكومية إلى أصل استراتيجي يُستخدم لدعم اتخاذ القرار، مع فرض الشفافية المطلقة في نشر مؤشرات الأداء الرقمية والطاقية للرأي العام.

3- الشراكة الاستراتيجية: تفعيل عقود الشراكة مع القطاع الخاص، بحيث يتم تقييم الشريك بناءً على توفير الطاقة أو كفاءة المنصة الرقمية، وليس فقط على بناء المنشآت.

إن نجاح رؤية 2035 مرهون بامتلاك عقل إداري جريء يُفعّل أدوات الحوكمة، ويُعزز الشفافية، ويحول الطموح إلى نتائج قياسية. إن التغيير الإداري اليوم وتمكين الكفاءات هو الضمانة الوحيدة لتقليص الاعتماد على النفط، الذي مازال يشكل أكثر من 85 في المئة من الإيرادات الحكومية، ووضع الكويت في موقعها الطبيعي كمركز ريادي إقليمي يواكب تطلعات الأجيال القادمة. 

إن تمكين الشباب الكويتيين من مسارات الطاقة والرقمية هو جوهر التنمية المستدامة، وركيزة أساسية لتحقيق كويت جديدة، وخريطة الطريق باتجاه تحويل الكويت من مستهلك للتكنولوجيا والطاقة إلى مُنتج ومصدر لها على المستوى العالمي.

back to top