الاقتصاد الأميركي... مؤشرات قلق وتصحيح محتمل
نادراً ما تبدأ الأزمات الاقتصادية بانهيار مفاجئ يغيّر المشهد بين ليلة وضحاها، بل تنمو من خلال تراكم اختلالات مالية واقتصادية تتسع تدريجياً حتى تصبح معالجتها أكثر تعقيداً. واليوم، ومع تزايد المؤشرات المقلقة، يبرز سؤال جوهري حول دخول الاقتصاد الأميركي -وبالتالي العالمي- مرحلة جديدة من التحديات التي قد تعيد رسم المشهد الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
المؤشرات الاقتصادية خلال عام 2026 لا تشير إلى انهيار وشيك، لكنها ترسم صورة لاقتصاد يواجه معادلة دقيقة. فمن جهة، تواصل الأسهم والأصول المالية تسجيل مستويات مرتفعة، ومن جهة أخرى يستمر الاعتماد على الاقتراض من قبل الحكومة والشركات والأسر، وهو ما يدفع عدداً متزايداً من المحللين إلى التحذير من أن استمرار هذا المسار قد يزيد من هشاشة الأسواق أمام أي صدمة مفاجئة.
يتركز جانب كبير من النقاش حول سوق الأسهم الأميركية، التي بلغت تقييماتها مستويات تاريخية من الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو أرباح الشركات، كما أصبحت القيمة الإجمالية للسوق تفوق حجم الاقتصاد الأميركي بفارق كبير، وهو ما يراه كثير من الاقتصاديين مؤشراً على اتساع الفجوة بين الأسعار في الأسواق والاقتصاد الحقيقي.
ومع ذلك، لا يرى جميع الخبراء أن المشهد يكرر فقاعة شركات التكنولوجيا مطلع الألفية. فالشركات الكبرى اليوم، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، تحقق أرباحاً وإيرادات حقيقية، إلا أن التساؤل يتمحور حول ما إذا كانت الأسعار الحالية تعكس هذه النتائج، أم أنها تستند إلى توقعات متفائلة يصعب الحفاظ عليها على المدى الطويل؟!
ويأتي الذكاء الاصطناعي في قلب هذه التوقعات، بعدما أصبح المحرك الرئيس لحماس المستثمرين وتدفق رؤوس الأموال. إلا أن التجارب السابقة تُظهر أن الطفرات التقنية تمر غالباً بمرحلة من التفاؤل المفرط قبل أن تعود الأسواق إلى تقييم الشركات وفق أدائها الفعلي.
وفي المقابل، لا تقتصر المخاوف على الأسهم، بل تمتد إلى الدين الأميركي الذي بلغ مستويات غير مسبوقة، في وقت ارتفعت كلفة خدمته مع استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، ما يزيد أعباء الموازنة ويعزز الحاجة إلى مزيد من الاقتراض، كما تواجه الأسر الأميركية ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع الديون وحالات التعثر في سداد بطاقات الائتمان، واعتماد عدد متزايد من الأسر على الاقتراض لتغطية نفقات المعيشة.
ورغم التكاليف الهائلة التي ترتبت على الانغماس الأميركي المباشر في التوترات العسكرية التي شملت دول الشرق الأوسط والخليج العربي، لا تزال معظم التقديرات تستبعد سيناريو الانهيار الشامل، إذ يستند الاقتصاد الأميركي إلى عوامل قوة مهمة، من بينها أرباح الشركات الكبرى، وانخفاض معدلات البطالة نسبياً، والمكانة العالمية للدولار، فضلا عن زيادة الطلب على الصناعات الدفاعية، وارتفاع الإنفاق العسكري لدى الحلفاء، واستمرار تدفق رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة باعتبارها ملاذاً آمناً.
لذلك، يرجح كثير من المحللين أن يمر الاقتصاد الأميركي بمرحلة من التباطؤ أو التصحيح التدريجي، بما يسمح بإعادة تقييم الأصول وتقليص الاختلالات، بدلاً من التعرض لانهيار واسع النطاق. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود مؤشر واحد مقلق، بل في تزامن عدة مؤشرات تستدعي المتابعة والحذر خلال المرحلة المقبلة.
* كاتب ومستشار قانوني