كل مقال إلى مقامه
الحمد لله الذي أفاض علينا من نعمه، وأسبغ علينا سكينة ورخاء، وهيّأ لنا ما يكفي يومنا وغدنا، نعم إن شُكرت دامت، وإن أُهملت صارت ابتلاءً يميّز الله به الشاكر من المسرف، والمصلح من المفسد. فلله الحمد من قبل ومن بعد.
الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات والأرض، على ابتلاء أعاد صياغة مشهد طالما أُحبِط فيه كل فكر ابتغى فكّ وثاق، أو طُمست فيه كل قيمة ارتجت رزق سماء، ما لم تأتِ عبر ابتسامة صفراء تخجل منها الرزانة، أو تخضع لما تراكم من أعراف ضاقت فيها الشهامة، وسُوِّغت بما يُلتقط لها يمنة ويسرة، حتى استقرت العلة في قول واحد: «الديرة ماشية جذي».
الحمد لله أولا وآخرا على ابتلاءات تراكمت في ظاهرها، وجاء في باطنها ما أنهى كلفة «الوقوف مع الواقف» بغية العيش، كلفة اختلّ بها الميزان، وبسببها تقطعت الأرحام، ومن خلالها تمكّن الشيطان.
الحمد لله على ما صُرف من بلاء التعلّق بأبواب خلقه، والتوهم أن الأقدار تُستجلب بالتزلّف والتملّق، إذ هيّأ من الوقائع ما ردّ لكل مقال مقامه. فالحمد لله أن جعل للحق طريقا بيّنا، وللباطل حجابا عصيّا.
الحمد لله على ابتلاء مضى، بما عليه من استشهاد وحزن، وما له من إدراك ويُسر، ظاهره تعطيل الحول، وباطنه تحكيم القول. فالحمد لله على ما صرف من فتن، وما أذهب من حمم، وما جاء به من نِعم لا نحصي لها سبيلا.. فالحمد لله أولا وآخرا.
اللهم كما أريتنا من تصاريف الأقدار ما يردّ الأمر كله إليك، فاجعل ما مضى باب بصيرة لا موضع غفلة، ومقام شكر لا عادة تُستباح، ورُدّ قلوبنا إلى يقين لا يلتفت إلى أبواب الخلق، ولا يظن أن رزقا يُستجلب بميلان وجه، أو قدرا يُدفع بمجاراة هوى.
اللهم ارزقنا حكمة تحفظ النعمة من السرف، وتصون الرخاء من الغرور، وتجعل الأمن باعثا على العمل لا سترا على الخلل. واجعل في سعة العيش سعة في الخلق، وفي وفرة الموارد وفرة في العطاء، وفي هدوء الأيام يقظة تعرف مواضع التقصير، ولا تجعل الاعتياد حجّة على الصواب، ولا الموروث عذرا لاستمرار الخطأ.
اللهم اجعل في الكويت عقولا لا تنكسر، وقيما لا تُحجب، وكفاءات لا تضيع. واجعل العلم مرفوع المقام، والفكر محفوظ المكان، والعمل موصولا بقدره من النفع، لا بما يحيط به من صخب، أو يسبقه من تزكية. فاللهم بارك في كل عقلٍ صادق أراد إصلاحاً، وكل يد أمينة صنعت خيرا، وكل علم نافع دلّ على رشد، وكل قول حكيم ردّ أموراً إلى نصابها. واجعل لصناعة القيمة أهلها، وللحق أنصاره، وللرأي الناضج أثره، وللجهد الصامت نصيبا من الإنصاف، حتى لا يعلو ظاهر على قيمة، ولا تُقدَّم صورة على معنى، ولا يُقصى نافع لا يُحسن طرق باب.
اللهم ألّف بين قلوب فرّقتها المصالح، وصِل ما تقطع من الأرحام، واهدِنا إلى مروءة لا تُباع، وشهامة لا تُستعار، وعدل لا يتبدّل بتبدّل المجالس. واجعل الحق فينا بيّناً لا يلتبس، والباطل محجوبا عصيّا لا يتسلل، حتى تعود مقامات إلى أقدارها، وأعمال إلى موازينها، ونعم إلى شكرها، وابتلاءات إلى حكمتها، وعلم وفكر إلى ما خُلقا له من إصلاح وبناء.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا.