وجهة نظر: المستثمر لا يشتري الخريطة

نشر في 06-07-2026
آخر تحديث 05-07-2026 | 18:29
 إبراهيم الكندري

تخيّل أن شركة إقليمية تبحث عن موقع جديد لمركز توزيع يخدم أسواق شمال الخليج. تصل إلى الكويت، تشاهد مخططات المنطقة الاقتصادية الشمالية، وتستمع إلى شرح عن موقعها ومرافقها والفرص التي يمكن أن تفتحها أمام التجارة والخدمات اللوجستية، تبدو الصورة مقنعة، لكن الاجتماع لا ينتهي عند الخريطة.

يسأل المستثمر: كم يستغرق الترخيص فعلياً؟ مَن يملك القرار إذا تأخرت إحدى الجهات؟ هل يمكن إدخال المعدات في الوقت المحدد؟ هل الإجراءات الجمركية واضحة؟ ماذا يحدث إذا أراد المشروع التوسّع؟ وهل ستبقى القواعد بعد 3 سنوات مفهومة كما هي اليوم؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

فالمستثمر لا يشتري الأرض وحدها، ولا يشتري الموقع كما يظهر في العرض التقديمي، هو يشتري تجربة تشغيل كاملة، تبدأ منذ أول تواصل، ولا تنتهي عند الحصول على الترخيص.

حين تبدو المنطقة ناجحة على الورق

يمكن لمنطقة اقتصادية أن تحقق نسباً مرتفعة في الإنجاز، وأن تكتمل طرقها ومرافقها، وأن تُخصّص أجزاء كبيرة من أراضيها، ثم تظل محدودة الأثر اقتصادياً.

قد تمتلئ المنطقة بمخازن وأنشطة لا ترتبط ببعضها، أو تُخصّص الأراضي لشركات لا تبدأ التشغيل فعلياً، أو تنجح بعض المشروعات بسبب تدخُّل مباشر، بينما يبقى النظام نفسه بطيئاً وغير واضح، في هذه الحالة، تبدو المنطقة ناجحة في التقارير، لكنّها لا تغيّر قرار المستثمر، وهذا هو الخطر الأهم: أن نتعامل معها باعتبارها مشروعاً عقارياً كبيراً، ثم ننتظر منها نتائج اقتصادية لم يُصمَّم نموذج تشغيلها لتحقيقها.

فالأرض قد تكون جاهزة، لكنّ السؤال هو: هل يستطيع المستثمر أن يعمل عليها؟

المستثمر لا يقارن الكويت بالكويت

قد تكون الإجراءات داخل المنطقة أسرع من الإجراءات المعتادة خارجها، وقد تكون التراخيص أوضح، وهذا مهم، لكنه لا يكفي وحده لصناعة ميزة تنافسية، فالمستثمر لا يقارن المنطقة الاقتصادية الشمالية ببقية الكويت، بل يقارنها بالبدائل المتاحة في الخليج والمنطقة، هو يقارن مدة الترخيص بمدة الترخيص، وتكلفة التشغيل بالتكلفة، وسرعة التخليص بالسرعة، ووضوح القواعد بما يجده في مكان آخر، فقد تكون المنطقة أفضل محلياً، لكنّها تظل أقل جاذبية إقليمياً، وقد تقدّم حوافز جيدة، لكن المستثمر يتردد لأن الإجراءات لا تزال تعتمد على المتابعة والاجتهاد والتدخل الشخصي.

فالحوافز قد تجذب الانتباه، لكنّ القدرة على التوقع هي التي تجذب الاستثمار الطويل، وكلما احتاج المستثمر إلى معرفة الشخص الذي يستطيع حل المشكلة، بدلاً من معرفة النظام الذي يحلها، تراجعت قيمة المنطقة مهما كان موقعها مهماً.

مَن يدير تجربة المستثمر؟

تظهر جدية المنطقة منذ الأشهر الأولى لتعامل المستثمر معها، هل يحصل على معلومات واضحة؟ هل يعرف المستندات المطلوبة؟ هل توجد جهة تملك صلاحية حقيقية، أم مجرّد مكتب يتسلّم الطلب ويوزعه؟ وإذا تعطلت المعاملة، هل توجد آلية واضحة للتصعيد؟ قد تبدو هذه تفاصيل إدارية، لكنها في نظر المستثمر هي المنطقة الاقتصادية نفسها.

فالمنطقة ليست ما يُكتب عنها في الكتيب التعريفي، بل ما يحدث عندما تدخل أول شحنة، أو يتأخر أول تصريح، أو يحتاج المشروع إلى عمالة متخصصة، أو تفسر جهة القاعدة بصورة مختلفة عن جهة أخرى، لهذا، لا تحتاج المنطقة إلى مطوّر عقاري فقط، بل إلى مشغّل اقتصادي مسؤول عن أدائها بعد اكتمال البناء.

المطوّر يهتم بتجهيز الأرض وإيصال الخدمات. أما المشغّل، فيهتم بما يحدث بعد ذلك: هل بدأت الشركات التشغيل؟ لماذا تعطل بعضها؟ هل تتكرر الشكاوى نفسها؟ هل يستطيع المستثمر التوسع؟ وهل تتحول المشكلات الفردية إلى تحسينات دائمة في النظام؟

كما يجب ألّا يقيس النجاح بنسبة الإشغال وحدها، لأنّ الأرض المشغولة ليست بالضرورة أرضاً منتجة، فقد تكون القسائم مخصصة، لكنّ النشاط محدود، أو المساحات محتجزة من دون تشغيل حقيقي، ولنا في تجارب المناطق الصناعية الكثير من الدروس والعِبَر.

لذلك، يجب أن ترتبط الأرض بجدول زمني للتشغيل، وأن يُمنح التوسُّع لمن أثبت قدرته على العمل، لا لمن طلب مساحة أكبر، الهدف ليس أن تمتلئ المنطقة سريعاً، بل أن تمتلئ بالأنشطة الصحيحة.

المنطقة التي تريد كل شيء قد لا تُعرف بشيء

من السهل أن نقول إن المنطقة مفتوحة لكل القطاعات، لكن الاتساع المبكر قد يحولها إلى تجمُّع من المشروعات المتفرقة، لا إلى منصة اقتصادية لها وظيفة واضحة.

الأفضل أن تبدأ من عدد محدود من الرهانات التي تستطيع الكويت أن تقدّم فيها قيمة مقنعة، مثل الخدمات اللوجستية وإعادة التصدير، وسلاسل التبريد والتخزين، والخدمات المهنية المرتبطة بالتجارة، وخدمات الشركات التي تعمل بين الكويت والعراق وأسواق الخليج.

التركيز لا يعني تقليل الطموح بل تحويله إلى شيء يمكن تنفيذه

فعندما تعرف المنطقة نوع الشركات التي تريد جذبها، تستطيع تصميم إجراءاتها حول احتياجاتها، وبناء المهارات المناسبة، وتقديم رسالة مفهومة للسوق، أما المنطقة التي تحاول منذ البداية أن تكون كل شيء، فقد تنجح في توزيع الأراضي، لكنها قد تفشل في بناء هوية اقتصادية.

السؤال ليس أين تقع المنطقة؟

تملك الكويت موقعاً مهماً، وقرباً من أسواق كبيرة، وقدرة على بناء بنية تحتية متقدمة، لكن هذه العناصر تمنحها فرصة، ولا تمنحها النتيجة.

عندما تعود تلك الشركة الإقليمية إلى طاولة القرار، لن يكون السؤال الحاسم: هل تقع المنطقة في موقع جيد؟

سيكون السؤال: هل نستطيع أن نعمل هناك بثقة؟

إذا كانت الإجراءات قابلة للتوقع، والصلاحيات حقيقية، والنجاح لا يعتمد على الاستثناء، عندها يتحول الموقع إلى ميزة اقتصادية.

أما إذا بقي المستثمر معجباً بالخريطة، لكنّه غير مطمئن لما سيحدث بعد توقيع العقد، فقد تكون الكويت قد بنت منطقة في الشمال، من دون أن تبني سبباً كافياً لاختيارها.

* الشريك المدير

(دوتسلينك للاستشارات)

back to top