في ميزان المعنى: قبل أن تختار تخصصك الجامعي
بعد إعلان نتائج الثانوية العامة، يبدأ آلاف الطلبة وأولياء أمورهم رحلة البحث عن التخصص الجامعي المناسب. وبين رغبات الأسرة، ونصائح الأصدقاء، وشهرة بعض التخصصات، ومتطلبات سوق العمل، يقف الطالب أمام واحد من أهم القرارات التي قد تؤثر في مستقبله المهني والعملي لسنوات طويلة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو: هل عرف الطالب نفسه جيداً قبل أن يختار تخصصه؟
كثير من الشباب لا يواجهون مشكلة في القدرات بقدر ما يواجهون مشكلة في الاتجاه، فقد يمتلك الطالب مهارات وإمكانات كبيرة، لكنه يضعها في المسار غير المناسب، فيقضي سنوات من الدراسة والعمل، وهو يشعر بأنه في المكان الخطأ.
وفي المقابل، نجد من اكتشف ميوله وقدراته مبكراً، فاختار الطريق الذي ينسجم مع شخصيته، فكان أكثر تميُّزاً وإبداعاً وإنتاجاً.
من هنا تبرز أهمية التوجيه المهني بوصفه إحدى الأدوات التي تساعد الإنسان على فهم ذاته قبل اتخاذ قراراته المصيرية، فاختيار التخصص الجامعي ينبغي أن يكون قراراً واعياً يستند إلى معرفة حقيقية بالقدرات والميول والاهتمامات.
وفي هذا السياق، جاءت مبادرة «البوصلة للتوجيه المهني» التي أطلقتها «نماء الخيرية»، انطلاقاً من إيمانها بأهمية الاستثمار في الإنسان، ومساندة الشباب في مرحلة تُعدّ من أكثر مراحل حياتهم تأثيراً في مستقبلهم العلمي والمهني.
وتقوم المبادرة على مجموعة من المقاييس العلمية التي تساعد الطالب على التعرف إلى ميوله المهنية، وأنماط شخصيته، ومجالات اهتمامه وشغفه، ثم تقدم له مؤشرات تساعده على اتخاذ قرار أكثر وعياً عند اختيار تخصصه الجامعي أو مساره المهني المستقبلي.
ولعل من أهم ما يحتاجه أبناؤنا اليوم هو الانتقال من مرحلة التخمين إلى مرحلة المعرفة، ومن اتخاذ القرار بناءً على الانطباعات إلى اتخاذه بناءً على فهم أعمق للنفس والقدرات.
إن الحديث عن التوجيه المهني ليس حديثاً عن اختيار تخصص جامعي فحسب، بل هو حديث عن بناء مستقبل أكثر استقراراً للفرد، وأكثر إنتاجية للمجتمع، وأكثر كفاءة في استثمار الطاقات الوطنية. فكُلّما اقترب الإنسان من المجال الذي يتوافق مع قدراته وشغفه، ازدادت فرص نجاحه وإبداعه وعطائه.
ولهذا، فإنني أوجّه دعوة لأبنائنا وبناتنا من طلبة المرحلة الثانوية، وخصوصاً الخريجين والخريجات هذا العام، إلى الاستفادة من منصة البوصلة للتوجيه المهني، وأن يمنحوا أنفسهم فرصة لاكتشاف قدراتهم وميولهم قبل اتخاذ قرار التخصص الجامعي.
فليس المهم أن تختار تخصصاً مشهوراً، ولا أن تسير في طريق اختاره الآخرون لك، بل أن تعرف نفسك جيداً، ثم تختار المجال الذي تستطيع أن تبدع فيه وتخدم من خلاله وطنك ومجتمعك.
وفي ميزان المعنى:
قد لا يغيّر اختبار التوجيه المهني مستقبل الإنسان، لكنّه قد يمنعه من أن يقضي سنوات طويلة في الطريق الخطأ، فمعرفة الإنسان لنفسه هي البداية الحقيقية لكل اختيار ناجح، وكُلما كانت البوصلة أوضح، كان الوصول إلى الوجهة أقرب.