النكديون في الأرض

نشر في 03-07-2026
آخر تحديث 02-07-2026 | 18:59
 د. محمد عبدالرحمن العقيل

لي صاحب كثير الحسد، يعشق الحزن ويحب النّكد، إن رأى نعمةً فتّش عن عيبها، وإن سمع بشارةً نبش عن خيبها، لا يرى في الدنيا إلا نصفها المظلم، إن كلّمناه عن الأمل، أخرج دفتر المظالم والفشل. يعشق الشكوى كما يعشق الحبيبة، ويلوم الزمان على كل خيبة!

جلست معه ذات مساء، فأخذ يعدّد خيباته وعثراته وغدر الأيام، وكأنه يقرأ نشرة أحوال جوية لا تعرف إلّا الغبار.

فقلت له: هوّن عليك يا رجل، فالنّصيب لا يُحكم عليه بهذه السرعة، وقد تكشف لك السنون ما خفي عنك فهمه.. اسمع مني حكاية «أبو سعود»، التي سمعتها منه للتوّ في المسجد.

يقول أبو سعود: نشأت أنا وصديقي فهد في فريج واحدة، نلعب ونأكل وندرس مع بعض، غير أن الدنيا منذ أول الطريق كانت تبدو لي كأنها تميل إلى فهد وتُعرض عنّي. كان جميل الحضور، سريع القبول، إذا تمنّى شيئاً دنا منه، وإذا طرق باباً كاد الباب يفتح له قبل أن يطلب. أما أنا، فكان حظّي أقل منه بكثير.

بدأت المفارقة تتضح عندما جاءت لفهد بعثة إلى بريطانيا في إدارة الأعمال بحسب رغبته، وأتمّ دراسته في 4 سنوات. أما أنا، فقد وجدت نفسي مدفوعاً إلى طب البيطرة الذي لم أوفّق في إتمام دراسته لظروف خارجة عن إرادتي، بعد عناء 6 سنوات وأنا أدرس أمراض المواشي والغنم، لكنني حصلت لاحقاً على دبلوب بيطرة.

وبعد العمل بفترة وجيزة ترقّى فهد بسرعة ليصبح مديراً لفرع إحدى الشركات الكبرى، بمكتب أنيق، وعملاء محترمين، واسم يلمع في المجتمع. أما أنا، فقد كان عملي فني بيطري في المزارع، بين رائحة الغنم والبهائم وخوار البقر.

وبعد الوظيفة، تزوّج فهد من الفتاة الجميلة التي تمنّاها، بنت الحسب والنسب، ورأيته ليلة عرسه كأنما ظفر بالدنيا كلها. أما أنا، فتزوجت ابنة خالتي السمينة التي تكبرني بثلاث سنين، لأنقذها من العنوسة وأُسعد أمّي وخالتي.

مضت 30 سنة، باعدت بيننا الأيام، وانشغل كلٌّ بحاله، حتى ظننت أن الحكاية انتهت على ما بدأت: هو في الأعالي، وأنا في الهامش. ومصادفة على غير ميعاد، التقيت به في أحد المجالس، ولم أعرفه من شدة التعب والبؤس الظاهرين على وجهه.

جلسنا، وتحدثنا كثيراً، حتى باح بكل ما في نفسه وشكا لي حاله. قال إن زوجته التي أحبّها وافتتن بها تخلّت عنه لأسباب تافهة، وأدخلته في قضايا ومحاكم، حتى اضطر أن يبيع بيت العمر. ثم شكا عقوق أولاده وقسوتهم عليه بسبب أمهم، وشكا أمراضاً حلّت به قبل أوانها. يقول لم يبقَ لي سوى وظيفتي التي سأتقاعد منها قريباً.

كنت أسمعه، ولم أتخيّل أن يتبدّل كل شيء بهذه السرعة، وكأنه يصف حادثاً مفاجئاً، فأصابتني نوبة من الدهشة، وتذكّرت المقارنة التي عشت أسيرها طوال هذه السنين، فإذا بي أجد نفسي أفضل حالاً منه! بل وجدتني أفوقه في أشياء لم تكن عيني تراها ولم أكن أعدّها من النعم! وفهمت أن المقارنة ظلمٌ للنفس، لأننا نقارن أول الطريق بآخره.

انتهى كلامي، ثم سكتُّ قليلاً لأعطي صاحبي «النكدي» فرصة ليتأمل المعنى،

فإذا به يقول: أقسم لك أن كل هذه المصائب من عين «أبوسعود»!

back to top