بقايا خيال تقييم من أسس قيمة للدينار

نشر في 01-07-2026 | 16:01
آخر تحديث 01-07-2026 | 16:01
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

شهدت العقود السبعة الماضية أحداثاً سياسية واقتصادية عصفت بدول، فظهرت دول واختفت أخرى، وانخفضت قيمة عملات دول عديدة متأثرة بما جرى حولها من متغيرات سياسية واقتصادية، إلا عملة واحدة بقيت ثابتة كجبل شامخ ما تهزه عواصف. إنه الدينار الكويتي، الذي استطاع أن يصمد أمام ثورات سياسية طاحنة وواجه عواصف اقتصادية عاتية، فمنذ أن طرح الدينار الكويتي كعملة جديدة للتداول في 1/4/1961 حتى اليوم، وهذه العملة الغريبة بقوتها تقف ثابتة بين العملات العالمية، وشامخة كقمة جبل إيفريست. أقول هذا والاعتزاز بكويتيتي يشملني، والفخر بدينار بلدي، الذي طرح للتداول قبل الاستقلال بشهرين فقط، يزيدني أملاً.

خلال الأيام الأولى لطرح الدينار... حينها كان يُنظَر إليه كعملة متواضعة لدولة صغيرة بمساحتها وبعدد سكانها، الذي لم يكن يتجاوز 350 ألف نسمة، ولم يتوقع أحد حينها، مهما أوتي من علم اقتصادي، أو قدرة على التحليل المالي، أن يصمد هذا الدينار في وجه كل «التسوناميات الاقتصادية» التي شهدتها الكرة الأرضية، ولا حتى أمام كل التقلبات والانهيارات المالية التي عصفت باقتصادات دول قوية.

رجل واحد استطاع من خلال علمه الاقتصادي الغزير، وبدعم من مستشارين ماليين فطاحل في اختصاصاتهم، وما جمعه حوله من كوادر كويتية مخلصة لبلدها، استطاع أن يجعل من هذا الدينار، «اللي ما كان بالعين»، أقوى عملة على الكرة الأرضية على الإطلاق، إنه العم حمزة عباس، شافاه الله وأطال في عمره. فبفضل من الله أولاً، ثم بفضل شخصية قيادية فذة، هي المغفور له بإذن الله، أمير الكويت الأسبق الشيخ جابر الأحمد الصباح، المتميز بنظرته الاقتصادية الثاقبة التي جعلته كأشهر مسؤول عن المالية الكويتية في تلك الحقبة، منح حمزة عباس دعماً غير محدود للقيام بمهامه المستحيلة على أكمل وجه.

فعندما أنهى دراسته الجامعية بنهاية خمسينيات القرن الماضي، لم يكن حمزة عباس يحلم، كأي شاب مقبل على حياته العملية، بأن يكون مسؤولاً عن إصدار عملة جديدة لبلده، ولم يخطط للعمل على تأمين ثبات النقد الكويتي، ولا حتى التفكير في حرية تحويله إلى العملات الأجنبية، ولم يكن يدري أنه سوف يعمل يوماً ما على توجيه سياسة الائتمان بما يساعد على التقدم الاقتصادي والاجتماعي وزيادة الدخل القومي لدولة ناشئة كالكويت.

مشكلة العم حمزة عباس أنه صار المسؤول الأول عن كل هذه المهام الخطيرة مالياً، ومسؤولاً عن «توليد» مؤسسة مالية لم تكن موجودة، وأن يعمل على تأسيس سياسة نقدية ورقابة مصرفية في بلده من لا شيء، وفي فترة اتصفت بقلة الموارد البشرية المتخصصة في هذا المجال. فلا كمبيوتر ولا غوغل ولا ذكاء اصطناعي، بل مجرد أوراق مبعثرة وكتب عتيقة وعقول شابة استنبطت الجديد من بين طيات تلك الأوراق والكتب، ومعاونين يشاد لهم بالبنان سخرهم الله لهذا الرجل ليسير بالدينار الكويتي بثبات إلى ما هو عليه اليوم.

حمزة عباس يعد من الشخصيات المؤثرة التي أدارت مؤسسة حساسة كبنك الكويت المركزي، ومن الرجال الحاسمين في اتخاذ قرارات اتسم معظمها بالمصيرية، فمن عاصره من الاقتصاديين يؤكدون على وصفه بالشخصية التي تأبى التراجع عن قراراتها مهما كان الثمن، لأنه اتخذها عن دراية ثاقبة ودراسة مستفيضة. إلا أزمة المناخ الطاحنة، التي لم يكن له ولا لبنك الكويت المركزي دخل في نشوئها، الأزمة التي أجبرته، كأول محافظ لبنك الكويت المركزي، على طلب إعفائه من منصبه لأكثر من مرة، وبشكل مباشر، من الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، الذي كان يرفضها في كل مرة، لأنه كان يعرف أهمية ومكانة حمزة عباس بالنسبة للبنك المركزي ولبلده الكويت.

أكتب هذه السطور وأدعو له بالشفاء العاجل.

back to top