تبييض السجون... لماذا نخاف من إعطاء فرصة ثانية؟

نشر في 30-06-2026
آخر تحديث 29-06-2026 | 18:55
 ضاري المير

منذ تحرير الكويت وحتى اليوم، لم نشهد مبادرة حقيقية وشاملة لتبييض السجون، وكأن المجتمع قرر أن يبقي بعض البشر أسرى أخطائهم إلى الأبد. ورغم كل الحديث عن الإصلاح والتأهيل، ما زلنا نتعامل مع السجن أحياناً كوسيلة للعقاب الدائم لا كمرحلة تنتهي بعودة الإنسان إلى المجتمع. السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: إذا كان السجين قد أمضى سنوات طويلة خلف القضبان، وخضع لبرامج التأهيل، وأثبت حسن السلوك والانضباط، فما الفائدة الوطنية أو الاجتماعية من استمرار احتجازه؟ هل الهدف إصلاحه أم مجرد إضافة سنوات جديدة إلى عقوبته؟ الحقيقة التي يتجنب الكثيرون الحديث عنها أن السجون تعاني من ضغط متزايد وتكاليف تشغيلية مرتفعة تتحملها الدولة سنوياً، فكل نزيل يحتاج إلى منظومة كاملة من الحراسة والرعاية الصحية والإعاشة والإدارة والخدمات.

ومع تزايد الأعباء الاقتصادية على الدولة، يصبح من المشروع التساؤل: هل من الحكمة الاستمرار في إنفاق الأموال العامة على أشخاص أنهوا فعلياً مرحلة العقوبة والإصلاح؟ إن تبييض السجون ليس ضعفاً أمام الجريمة، بل ثقة بالقانون وبقدرة الدولة على التمييز بين من يشكل خطراً على المجتمع ومن يستحق فرصة جديدة. الدول القوية لا تُقاس بعدد السجناء لديها، بل بقدرتها على إعادة تأهيلهم وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية. 

والأمر لا يتعلق بالسجين وحده، بل بعائلته أيضاً، فهناك أسر دفعت الثمن معه، وأبناء كبروا بعيداً عن آبائهم، وأمهات ينتظرن سنوات طويلة أملاً في عودة أبنائهن. عندما يثبت الإنسان أنه تغيّر، فإن استمرار معاقبته يتحول من عدالة إلى قسوة لا تحقق أي مصلحة عامة. المفارقة أن المجتمع يشتكي من البطالة والضغوط الاقتصادية وتكاليف المعيشة، ثم يرفض إعادة دمج أشخاص قادرين على العمل والإنتاج. فبدل أن يبقوا عبئاً مالياً على الدولة، يمكن أن يصبحوا أفراداً منتجين يساهمون في الاقتصاد ويعيلون أسرهم ويبدأون حياة جديدة.

نحن لا نتحدث عن الجرائم التي تهدد أمن الوطن أو سلامة المجتمع، بل عن مراجعة عادلة وإنسانية للحالات التي استوفت شروط الإصلاح والتأهيل. فالقانون وُجد لتحقيق العدالة، لا لإغلاق أبواب الأمل. لقد آن الأوان للكويت أن تفتح هذا الملف بشجاعة، فتبييض السجون ليس منحة لأحد، بل استثمار في الإنسان، وتوفير على الدولة، ورسالة حضارية تؤكد أن المجتمع الذي يمنح فرصة ثانية أقوى من المجتمع الذي يحكم على الناس بالبقاء أسرى الماضي إلى الأبد.

back to top