ما لا يُقال في بيانات التهدئة

نشر في 30-06-2026
آخر تحديث 29-06-2026 | 18:23
 د. بلال عقل الصنديد

يبدو من الواقع أنه لا يمكن التعامل مع بيانات التهدئة أو اتفاقات خفض التصعيد في المنطقة باعتبارها إعلان نهاية للتوتر، بل باعتبارها وسيلة لإدارة الأزمات ومنع تطورها. 

بيانات سياسية عامة، تبدو في ظاهرها بسيطة ومباشرة، لكنها في الواقع تُبنى على مجموعة معقّدة ومتشابكة من الحسابات الأمنية والسياسية التي لا تُقال صراحة، حيث إن التصريح قد ينسف التوازن نفسه الذي أُنشئت لحمايته.

تتجنب البيانات الصادرة عن مسارات التفاوض المرتبطة بالمنطقة التصريح المباشر بالوقائع أو تسميتها على نحو صريح، كما تحرص على عدم إسناد المسؤولية بصورة محددة لأي طرف، فالتسمية الصريحة في هذا السياق ليست تفصيلاً لغوياً، بل خيار سياسي محسوب قد يُغلق مسارات تفاهم أو يفتح أخرى على احتمالات التصعيد.

لذلك تُصاغ اللغة على نحو عام ومضبوط، يسمح بإبقاء الحد الأدنى من التفاهم قائماً، ويتيح لكل طرف قراءة النص بما يتناسب مع موقعه، من دون إحراج علني أو التزام صريح.

في الخليج، حيث يتقاطع التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو المشهد شديد التعقيد ولا يمكن قراءته بسطحية. فالمواجهة لا تتجلى بصورة مباشرة، بل تظهر عبر نمط متكرر من الضغط المتبادل وإعادة اختبار الحدود. ومع كل موجة تصعيد بين الطرفين، تمتد ارتداداتها إلى أمن دول الخليج، سواء عبر تهديدات للملاحة، أو استهداف مصالح حيوية، أو خلق مناخ أمني متوتر في محيطها الإقليمي. وكأن المنطقة تتحول في كل مرة إلى مساحة تعكس توازنات غير مستقرة لم تُحسَم بعد.

في جنوب لبنان تتضح هذه المعادلة بصورة أكبر، فالمشهد لا يُدار عبر البيانات وحدها، بل عبر توازن دقيق بين الفعل الميداني والرسائل غير المعلنة. وما يحدث على الأرض غالباً ما يسبق الصياغة السياسية أو يتجاوزها. لذلك لا تبدو التهدئة قراراً واحداً بقدر ما هي حصيلة تراكم إشارات متبادلة تُبقي مستوى الاشتباك ضمن حدود يمكن ضبطها. ومن ثمّ تظهر البيانات الرسمية كإطار خارجي أكثر منها عنصراً حاسماً، بينما تُدار التفاصيل الفعلية في مستويات أخرى تتداخل فيها حسابات الدولة، وأدوار قوى غير رسمية، وتأثيرات أطراف إقليمية ودولية تسهم في رسم حدود الحركة وحدّة التوتر.

هذا النمط لا يبدو عشوائياً، بل أقرب إلى لعبة شد حبال طويلة، تُستخدم فيها الأطراف الإقليمية ساحاتٍ ضغط ورسائل غير مباشرة. وعندما يبلغ هذا الشد منتهاه، تظهر التوترات على شكل أحداث متفرقة، لكنها في الحقيقة مرتبطة بسياق أوسع من إدارة النفوذ وإعادة ضبط قواعد الردع.

نتيجة لما سبق، لا تبدو المنطقة أمام حالات تهدئة حقيقية بقدر ما تبدو أمام إدارة مستمرة للتوتر ضمن سقوف محسوبة. ما يُعلن في البيانات ليس سوى الحد الأدنى الممكن سياسياً، بينما يبقى جوهر المشهد في مكان وتوقيت آخرين.

الخطر الحقيقي يكمن في اعتياد العيش داخل توتُّر مُدار، يتحول مع الوقت إلى حالة دائمة تُعامل كأنها استقرار!

* كاتب ومستشار قانوني

back to top