لبنان: اتفاق واشنطن يدخل اختبار «المناطق التجريبية»

طهران تتجنب انتقاد الاتفاق وحزب الله يُصعّد... وقاليباف يعوّل على بري

نشر في 29-06-2026
آخر تحديث 28-06-2026 | 19:22
أوقف الجيش اللبناني أشخاصاً أحرقوا لافتات « لبنان أولاً» رفعت على طريق المطار بدلاً من لافتات «شكراً إيران» التابعة لحزب الله
أوقف الجيش اللبناني أشخاصاً أحرقوا لافتات « لبنان أولاً» رفعت على طريق المطار بدلاً من لافتات «شكراً إيران» التابعة لحزب الله

دخل اتفاق الإطار الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل بواشنطن، في اختبار ميداني معقّد، وتحديداً فيما يُعرَف بـ «المناطق التجريبية». ويمثّل هذا الاختبار محكّاً حقيقياً لمدى التزام الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من هذه الأراضي المحتلة لمصلحة بسط سيادة الجيش اللبناني، بموجب معادلة دقيقة تفرض بقاء هذه المناطق خالية من أي مظاهر مسلّحة.

وتشمل المرحلة الأولى منطقتين جرى التوافق عليهما كـ «نقاط اختبار أولى»، على أن يتم تحديد مناطق أخرى لاحقاً؛ الأولى شمال نهر الليطاني، وهي زوطر الغربية، والثانية جنوبه وهي فرون، وتقع كلتاهما خارج نطاق «الخط الأصفر» الذي تصنفه إسرائيل كمنطقة أمنية تابعة لها. 

وتكتسب زوطر الغربية أهمية استراتيجية بالغة لإشرافها الحاكم على المجرى الشمالي لنهر الليطاني ووادي الحجير، حيث تعتبرها التقديرات العسكرية الإسرائيلية خط الإمداد اللوجستي الأساسي لحزب الله. أما فرون، فتُمثل معقلاً عملياتياً حيوياً للحزب لتموضعها على محور يُشرف على نقاط قتالية متعددة.

وبموجب هذا الترتيب الأوّلي، تريد تل أبيب أن يدخل الجيش اللبناني إلى البلدتين لتفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله ونزع سلاحه؛ علماً بأن زوطر الغربية تضم حالياً وحدات ومدرعات إسرائيلية يتعيّن عليها الانسحاب منها، في حين تخلو فرون من أي وجود عسكري إسرائيلي مباشر، مما يجعلها بنظر تل أبيب مجرّد ساحة اختبار لتقييم مدى جدية وفاعلية الجيش اللبناني في سحب سلاح الحزب قبل الانتقال للمراحل التالية.

ووفقاً لتسريبات عبرية، ترهن إسرائيل الانسحاب من مناطق أخرى بنجاح تجربة زوطر وفرون. في المقابل، يشترط الجيش اللبناني وقفاً كاملاً للغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية لبدء انتشاره، رافضاً أي تنسيق مباشر مع تل أبيب.

عملياً، تقع المسؤولية على عاتق قيادة الجيش لترتيب تحرُّك ميداني يتجنب الصدام الداخلي ويرفض الإملاءات الإسرائيلية. غير أن مراقبين يعتبرون أن تنفيذ الاتفاق يحتاج الى آلية تطبيقية خاضعة لموازين قوى إقليمية ودولية، وهو ما يشجّع حزب الله على رفض تقديم أي تنازل، لا سيما بعد إبلاغ طهران للحزب بأنها ستطرح ملف لبنان في أول جولة تفاوضية مقبلة مع واشنطن، وأنها لن توقّع أي اتفاق نهائي دون شموله.

 وفي وقت واصل حزب الله هجومه اللاذع على الاتفاق والحكومة اللبنانية، إذ وصفه نائب الحزب حسن فضل الله بأنه «صك استسلام»، مشككاً بوجود دولة «بالمعنى الحقيقي»، برز موقف طهران التي تجنبت توجيه أي انتقاد مباشر للاتفاق؛ إذ اكتفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، من بغداد، بتأكيد ضرورة الحفاظ على السيادة اللبنانية والانسحاب الإسرائيلي. كما حمل اتصال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بنظيره اللبناني نبيه بري مؤشراً لافتاً، يعكس استمرار تعويل طهران على دور بري في هذه المرحلة، بالتوازي مع تجنّبها مهاجمة حكومة نواف سلام.

من ناحيته، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعم بلاده الاستقرار والأمن والحوار في المنطقة، معربا عن أمله في التزام جميع الأطراف بتعهُّداتها.

في المقابل، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون دعماً قوياً من نظيره الأميركي دونالد ترامب، الذي أكد له في اتصال هاتفي ليل السبت - الأحد، وقوف الولايات المتحدة «إلى جانب لبنان والشعب اللبناني، والعمل على توفير كل ما يلزم لتطبيق مندرجات الاتفاق، وإعادة الأمن والاستقرار إلى لبنان».

ووفق بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، شدد ترامب على أن «الولايات المتحدة تتمنى للشعب اللبناني الخير والتقدم، ولن توفّر أي جهد لدعم سيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه، وبسط سلطة الدولة بقواها المسلحة على الأراضي اللبنانية كافة، ووقف أي تهديد لاستقرار لبنان، ودعم مواقف رئيس الجمهورية وقرارات الحكومة». وأضاف أن الولايات المتحدة ستساهم في دعم الاقتصاد اللبناني والقوى الأمنية الشرعية.

ولاحقاً أظهر مقطع فيديو مصور رد فعل ترامب على إحدى الصحافيات عقب توجيهها عبارة «اجعل لبنان عظيماً مجدداً» له، في استحضار لشعاره الانتخابي الشهير، ليجيبها ترامب مقتضباً: «نعم... سأفعل».

وبينما توالت الدعوات من قبل أنصار حزب الله للتظاهر ضد الاتفاق، أصدرت قيادة الجيش اللبناني بياناً شددت فيه على ضرورة الحفاظ على الاستقرار والسِّلم الأهلي، محذّرة من «تحرّكات غير محسوبة».

في الأثناء، يحذّر بعض المراقبين من أن الاتفاق أسّس للمزيد من الانقسام السياسي في لبنان، من دون وجود رؤية واضحة لكيفية تجاوز هذا الانقسام، وكيفية تعديل الاتفاق أو إلغائه، لا سيما أن كثراً يعتبرون أنه يكرّس وصاية عسكرية وأمنية إسرائيلية على لبنان.

في الأثناء، يلمّح البعض الى أن الاتفاق الذي ينص على توجُّه لبنان وإسرائيل نحو السلام من دون رهن ذلك بالقضية الفلسطينية أو بحل الدولتين قد يكون إشارة إلى خروج دولة عربية أخرى عن مسار المبادرة العربية للسلام، فيما يرى آخرون أن الاتفاق قد يكون موجها كذلك ضد سورية، والضغط عليها في ملفات أمنية وأخرى متصلة بترسيم الحدود. 

في المقابل، تشير قراءات مقابلة الى أنه لم يكن بإمكان لبنان أن يذهب إلى توقيع الاتفاق من دون غطاء عربي، كما أن الاتفاق ينصّ على ترحيب لبنان بأي مساعدة من الدول العربية، وهذا ما فُسّر بأنه تقاطع مع طروحات ترامب حول مساهمة دمشق، بل وحتى تكليفها رسميا، بالتعامل مع قضية نزع سلاح حزب الله.

وفي مؤشر آخر على حجم هذه المخاوف، يجري وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني زيارة الى بيروت، حيث يلتقي عون وسلام وكذلك بري، في إطار ترجمة عملية لكلام الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن التعاون مع لبنان من دولة إلى دولة، وتعزيز المؤسسات وضبط الحدود، وحماية كل المكونات في لبنان، مع توجيه رسالة واضحة ومباشرة للطائفة الشيعية.

back to top