وجهة وطن: «أبي أصير مثقف»!
يظن البعض أن التعالي على الناس وتسفيه آرائهم أو حتى همومهم هو ما سيجعله مُصنّفاً في خانة «المثقفين» أو من أصحاب الرأي والحكمة في المجتمع.
لا أدري كيف أو متى تنامى الاعتقاد بأن التميّز في التفكير والحكمة في الرأي ينطلقان من تحميل المجتمع مسؤولية إخفاقات لا شأن له بحدوثها أو تراكمها عبر عقود وسنوات، سواء خدمية أو اقتصادية أو حتى إنسانية.
فلن يحدّثك أحد من «المتثيقفين» الذين ابتُلي بهم المجتمع من بعض الأكاديميين والمسؤولين السابقين، وربما الحاليين، أو الكتّاب وحتى أصحاب «الفلورز»، أي عدد المتابعين المرتفع، ومعهم فئات لا نعلم صفتها أو تصنيفها، بأن علّة التعليم في الكويت مثلاً هي النظام التلقيني، وضعف الارتباط باحتياجات سوق العمل، وليست في «الطالب الكسول»، أو أن تفاقم أزمة الإسكان ليس بسبب «المواطن اللي يتشرّط»، بل بعجز الإدارة العامة عن طرح الأراضي السكنية الكافية، فضلاً عن تفاقم المضاربات والممارسات الاحتكارية في السكن الخاص.
أما المتعالون على هموم الناس في الشأن الاقتصادي فتفسيرهم الوحيد لأي شكوى من قصور مالي في المجتمع يرجع إلى أنها نتيجة التبذير والإسراف، ولا يناقش أو يتطرّق إلى علل اقتصادية ومالية متراكمة، كالتضخم والاحتكار وعبء الاستيراد وتراجع مستوى الخدمات الحكومية، باعتبارها أساس الخلل الذي يجعل راتب المواطن وحتى المقيم في واحدة من أغنى الدول بالعالم لا يلبّي الاحتياجات الشهرية.
أو أن يحمّل الوافدين مسؤولية الاختلال في التركيبة السكانية، دون أن يفكر في مناقشة أسباب اختلال سوق العمل أو تجارة الإقامات!
بل إن البعض يرى في حرّيته الشخصية، حتى في مناحي الحياة الثانوية، أولوية على الحريات العامة وحقوق الإنسان، ولو هددت حريّة وسلامة وحتى حياة ومستقبل فئات عديدة من المجتمع، فلا تستغرب منه مَن يرى في الحفلات الغنائية تطوراً وتقدُّماً، بينما لا تشكّل مناطق «الچينكو»، التي تعيش فيها أجيال من البدون، أي تأنيب للضمير أو وخز للإنسانية.
في اعتقادي أن المثقف الحقيقي هو مَن ينتمي للمجتمع دون تعالٍ على همومهم أو احتياجاتهم، وأيضاً دون أن ينجرف مع الآراء الشعبوية أو تلك التي تعالج مظاهر الخلل دون أساسه، أما مَن يدّعي «الثقافة» بتحميل الناس أخطاء وأعباء لا علاقة لهم بإدارتها أو قراراتها، فهُم أبعد الناس عن الثقافة والفهم.