ما بعد المساءلة
يعصف الفكر، فيحوم بين آفاق متطلعة حينا، وظلال متشائمة حينا آخر، حتى توقظه ومضة من قراءة، أو ملاحظة عابرة، تفك وثاق ما تعقّد والتبس. وتلك من سنن الله في خلقه، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله في مجاري العقول والوقائع حكمته البالغة. من هنا، قد نشهد انقشاع غمامة كانت تحجب الرؤية عن بعض المفكرين حول العالم، إزاء ما تشهده البلاد من منعطف حاد في آليات العمل الحكومي. وتجيء الحكمة، أياً كان منبعها، لتشير إلى أن هذا الانعطاف لم يُرَد به إلا وجه إصلاح، وإن تعثر في بعض مقاصده الجزئية، أو التبست على الأطراف بعض ملامحه. ولا خلاف... فالتعثر والالتباس شأنان من شؤون العمل وآلياته، لا تسلم منهما المسارات، يتكرران، ثم يُلحَظان، ويُقرَآن، ثم يُدرَسان.. وفي خاتمة الأمر، يجيء العمل في شأنهما بآليات راجعة تقصد التصحيح.
وهنا تأتي القراءة الشاملة للمشهد، بما ينطوي عليه من مسارات متباينة، وآليات عمل متجددة، ارتقى بعضها بما يعزز الحوكمة والمساءلة، غير أنها، في مقابل ذلك، أغفلت مسارات أخرى أشد وطأة، وأعمق أثراً في رسم المصير. وهي مسارات يتصل بها بناء ديمومة العمل، وتشييد القاعدة الإنتاجية، وصياغة طريق الأمل والحلم أمام كل مجتهد. فبدلاً من أن تكون آليات الحوكمة والمساءلة وسيلة دائمة، موازية لوسائل أسمى وأبلغ في بلوغ غاية المرحلة، غدت — في بعض تجلياتها — كأنها المرحلة ذاتها، حتى أصبحت الوسيلة حجابا للغاية، وغدت الأداة مستغرقة للمقصد.
ولا ضير في إعادة فرض المنطق الحق في علاقة المواطن بالاستحقاق السلبي، بل إن ذلك من ألزم مقتضيات هذه المرحلة وأشدها اتصالا بإصلاح منطق الدولة والمجتمع. غير أن موضع الخلاف لا يكون في تصحيح تلك العلاقة، بل في أن يتحول التصحيح، أو «زمنه المستغرق»، إلى عائق يحول دون الارتقاء بها إلى علاقة أسمى: علاقة الشراكة المنتجة. وليست الشراكة المنشودة هنا محصورة في معناها الروتيني الضيق، ولا في إدماج المواطن داخل دورة عمل إدارية اعتيادية، بل في بناء إنتاجية قادرة على خلق القيمة، وقابلة لأن تمتد إلى الخارج تصديرا وتأثيرا ومنافسة. وهي إنتاجية تصب، في خاتمة مسارها، في الغايات العليا التي ينبغي لهذه المرحلة أن تبلغها: استدامة المالية العامة في تمويل نموذج الدولة، والتنويع الاقتصادي من خلال بناء القيمة، وتمكين القطاع الخاص من الاستقلال بذاته.
وما لا خلاف عليه اليوم يجيء معاكسا لما كنا عليه في السابق. فكلفة الأمل باتت أرفع من أن تختزل في اعتبارات حوكمية، أو في مسارات متصلة بالمساءلة وحدها، إذ غدت متعلقة بما هو أعمق وأبقى: بناء المواطن في شقي الاستقرار والمادة. فهذان الشقان، في واقعنا الاقتصادي الراهن، لا يقومان على التمنّي ولا على صدق النوايا، بل على فرصة منتجة يصعب بلوغها ما لم تشهد المرحلة اندفاعا مباشرا، وجريئا، بل وثوريا في أثره، نحو تلك المسارات القادرة على صناعة علاقة الشراكة المنتجة، وترسيخها في السياسة العامة والمجتمع معاً.
ولا شك في أن ذلك الاندفاع ينبغي أن يكون محفزاً وقادراً، وأن يستند إلى سياسات تصيب صالح الاقتصاد الكلي حين يحقق الجزئي غايته، لا العكس. فما أكثر السياسات القابلة للتطبيق متى أُخذت مأخذ الجد، وما أقرب أثرها متى وُضعت في موضعها الصحيح، في مرحلة لا تعترف بغير الجد سبيلا.
فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد...