«الشوف غير السمع» *

نشر في 29-06-2026
آخر تحديث 28-06-2026 | 19:30
 خولة مطر

تبدأ الأيام كسولة، إلّا ذاك اليوم، فقد دفعني حماس ممزوج بالترقب إلى القفز سريعاً خارج البرمجة المعتادة.

كنت أعرف أنني لن أستطيع أن أسلك الطريق المعهود إلى جنوب الجنوب، فكل الطرق «غير سالكة وغير آمنة»، كما كان يردد ذاك المذيع أيام الحرب الأهلية وما قبلها وما بعدها من حروب واشتباكات مرّت على هذه الأرض المعجونة بملحها وزيتونها وزهرة الغاردينيا.

تسير بك الطرق المتعرجة فوق جبال لبنان في طريق البقاع، مارّة بكثير من البلدات والمصايف التاريخية. قبل الحدود السورية - اللبنانية تأخذ المنعطف، وتكون قد بدأت سيرك نحو الجنوب. الطرقات في معظمها كانت فارغة إلّا من بعض السيارات التي تحمل المراسلين الصحافيين الذين أصبحوا هدفاً لماكينة الدمار والقتل الصهيونية، وعربات أخرى ربما لمن ينقل بعض المساعدات لأولئك الذين بقوا في بلداتهم، رغم القصف والدمار. 

تبدأ مشاهد الدمار في البروز بين انحناءات الطرق التي دمّرتها دباباتهم وعربات المشاة، وبقيت شاهدة. هنا كان منزل بشبابيك تطل على حديقة مليئة بالحبق والزهر والنعناع. وهناك بقايا دكان، وبقربها ما يبدو أنه كان كراجاً لتصليح العربات، أمامه بضع سيارات تفحّمت بالكامل، وبقيت الهياكل شاهدة أخرى على المذابح والمجازر والدمار. 

تسبقني دقات قلبي وأنا أقترب أكثر من دبين الملاصقة لجديدة مرجعيون، والتي شهدت دماراً هائلاً وموجة واسعة من القصف والغارات الجوية العنيفة وتفجير المنازل، حتى بعد أن رحل عنها أهلها مؤقتاً تفادياً للموت الذي يطاردهم منذ أن زُرع ذاك الكيان عند خاصرتهم. بدا المشهد مرعباً حد الوجع، فـ «الشوف غير السمع»، فرغم أن صور دبين وكل بلدات وضِيَع الجنوب لم تفارق شاشاتنا ووسائل التواصل، فإنّ رؤية هذا الدمار بالعين تجعل القلب يرجف.

لا مجال للتصوير، فقط لتخزين الصور في الذاكرة سريعاً.

بحثت عن أسطح القرميد التي كنت أراها من فوق سهل الخيام، والتي تبرز من بينها الأشجار الباسقة. لا شيء، لا أسطح للقرميد ولا بيوت بقيت. بدت الخيام كلها ركاماً من حجر فوق حجر، على أرض طاهرة. إلّا الأشجار بقيت واقفة، ربما لتكون شاهدة على كل هذا الدمار.

قالت لي تلك الجنوبية: «إنهم عادوا، وعادوا فقط ليدمّروا ما تبقى، ليس لأن هناك أحداً فيها». نعرف أن كل رواياتهم كاذبة، لكن العين تدرك ما تعجز الصور والشهادات المتناثرة عن نقله كاملاً. تستدعي المشاهد الكثير من الروايات التي نسمعها كل يوم من أهلنا في الجنوب. يروي بعضهم أنهم عادوا للبحث عن بيوتهم، فلم يتعرفوا إليها، فقد تعانقت الحجارة، وحملت معها الذكريات والضحكات والأحاديث والهمسات المسائية بين لعب الورق وكؤوس الشاي.

«لم أعرف بيتنا في النبطية، كما أصدقائي في بنت جبيل. أصبحنا كلنا غزة» يقول الجنوبي.

تلمع عينا المحامي الصديق بالدموع، وهو يسرد كيف أن بيت العائلة المبني من الحجر على الطريقة العربية العريقة دمّر حتى آخر حجر. للجنوب قصص وحكايات كثيرة.. لكن وحقاً أن ما تلتقطه العين في لحظة، تعجز الكلمات عن حمله كاملًا.

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية

back to top