الطريق الرقمي ليس أقل خطراً من الطريق العام
لا أحد يعترض على وجود حد أدنى للعمر للحصول على رخصة القيادة، فالمجتمع يدرك أن قيادة السيارة مسؤولية كبيرة تتطلب قدراً من النضج والوعي والقدرة على اتخاذ القرار، ولذلك لا نسمح للأطفال أو صغار المراهقين بقيادة المركبات، ليس حرماناً لهم، وإنما حمايةً لهم ولغيرهم حتى يبلغوا مرحلة تؤهلهم لتحمل هذه المسؤولية.
لكننا في المقابل نسمح لأطفال ومراهقين بدخول عالم رقمي مفتوح يمتد إلى كل بيت وكل هاتف وكل غرفة نوم، دون أن نتوقف كثيراً عند السؤال ذاته: هل أصبحوا مستعدين لتحمل مسؤولية هذا العالم؟
لسنا ضد التكنولوجيا، ولم نكن يوماً ضدها. بل إن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من التعليم والاقتصاد والتواصل والمعرفة، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم دون الاستفادة منها، لكن الإيمان بأهمية التكنولوجيا لا يعني تركها بلا ضوابط، تماماً كما أن إيماننا بأهمية السيارات لم يمنعنا من وضع قوانين للقيادة.
فالفرق بين الاستفادة من التقنية والخضوع لها هو وجود التنظيم والرقابة والوعي.
لقد صُممت منصات التواصل الاجتماعي لتجذب الانتباه وتُطيل مدة الاستخدام وتزيد التفاعل قدر الإمكان، وهي تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الأفكار والسلوك والعلاقات الاجتماعية والصحة النفسية، وإذا كان البالغون أنفسهم يجدون صعوبة أحياناً في مقاومة هذا التأثير فمن الطبيعي أن يكون الأطفال والمراهقون أكثر عرضة له.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت تتراكم الأدلة العلمية والتجارب المجتمعية التي تربط الاستخدام المبكر والمفرط لوسائل التواصل الاجتماعي باضطرابات النوم، وضعف التركيز، والتنمر الإلكتروني، والقلق، والاكتئاب، وتراجع التفاعل الاجتماعي الواقعي، فضلاً عن التأثير المستمر في القيم والصورة الذاتية وتقدير النفس.
ومن منظور طبي، وأراه في العيادة بشكل شبه يومي، فإن النوم وحده يستحق أن يكون جزءاً من هذا النقاش، فالأجهزة الذكية ومنصات التواصل أصبحت من أكثر الأسباب التي تؤخر وقت النوم لدى المراهقين، وتؤثر في جودة النوم ومدته، وهو ما ينعكس على التحصيل الدراسي والصحة النفسية والقدرة على التعلم واتخاذ القرار.
ولهذا بدأت دول عديدة حول العالم إعادة النظر في العمر المناسب لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ووصل بعضها إلى اعتماد السادسة عشرة كحد أدنى للدخول إلى هذه المنصات، ولم يكن الدافع رفض التكنولوجيا أو الخوف من المستقبل، بل الاعتراف بأن النضج الرقمي لا يقل أهمية عن النضج المطلوب لقيادة السيارة أو تحمل مسؤوليات أخرى في الحياة.
وفي مجتمعنا الخليجي وبالذات في الكويت، مازال هناك دور كبير للأسرة في التربية والتوجيه وحماية الأبناء، وقد يكون من المناسب أن نفتح نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً مع أصحاب الاختصاص حول هذا الموضوع. نقاش لا ينطلق من المنع أو التخويف، بل من مبدأ الحماية والتدرج وتحمل المسؤولية.
إن جعل سن السادسة عشرة الحد الأدنى لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني عزل الأبناء عن العالم الرقمي، فالتطبيقات التعليمية والمنصات المعرفية والمهارات التقنية ستظل متاحة ومطلوبة، وإنما المقصود هو تأجيل الدخول إلى منصات التواصل العامة حتى يصل الشاب أو الشابة إلى مستوى أكبر من النضج يمكنهما من التعامل مع ما تحتويه هذه المنصات من تأثيرات وضغوط ومخاطر.
لقد اقتنع المجتمع بأن الطريق العام يحتاج إلى قوانين تحمي أبناءنا قبل أن نسلمهم مفاتيح السيارة، وربما آن الأوان أن ندرك أن الطريق الرقمي، بما يحمله من تأثير في العقول والسلوك والقيم والصحة النفسية، ليس أقل خطراً من الطريق العام.
فإذا كنا لا نسلم أبناءنا مقود السيارة قبل أن يصبحوا مستعدين للقيادة فلماذا نسلمهم مفاتيح العالم الرقمي قبل أن يصبحوا مستعدين لتحمل مسؤولياته؟
*رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة،
معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة.
قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.