آفاق إنتاج مياه الشرب

نشر في 26-06-2026
آخر تحديث 25-06-2026 | 19:54
 د. عبدالعزيز أحمد الشلبي

يرجع الارتباط الهيكلي بين منظومتَي الكهرباء والماء في الكويت إلى مِحور تقني تشكَّل عبر عقود من الاعتماد على محطات القوى البخارية بوصفها منظومات إنتاج مشترك للكهرباء ومياه الشرب، حيث مَثّل هذا النمط آنذاك الخيار الأمثل من حيث الكفاءة والموثوقية، بفضل إنتاج المياه المقطّرة بأقل تكلفة ولاعتماده على الوقود المحلّي.

ونتيجة الاعتماد على منظومات الإنتاج المشترك على مدى عقود، اقترن التوسع في القدرة الإنتاجية للكهرباء بتوسعٍ موازٍ في سعات التقطير لإنتاج مياه الشُرب. وقد أفضى هذا النمط إلى ترسّخ قناعة مفادها أن توسيع سعات التوليد سيقود تلقائياً إلى توسعٍ موازٍ في إنتاج المياه.

إلا أن هذا الارتباط تحوّل إلى عبء استراتيجي يصطدم بمعطيات اقتصادية تفرض فك الارتباط لإتاحة المجال لخيارات أكثر تنافسية. فبات النموذج مُقيِّداً لتنويع مزيج الوقود والتحول الطاقي، ويحُد من فرص تبنّي تقنيات إنتاج أكثر كفاءة، ومن خفض استهلاك الوقود المحلي عالي الكربون.

غير أن تجاوز هذا الارتباط يقتضي معالجة تحديات متشابكة تتطلب استجابات متوازنة على المستويات الاقتصادية والبيئية والتنظيمية. فمن منظور الأمن المائي الاستراتيجي، يظل التقطير الحراري دعامة أساسية في منظومة المياه الكويتية بفضل الخبرة الوطنية المتراكمة على مدى 7 عقود، وإمكانية الاستقلالية الكاملة في الاعتماد على الوقود المحلي، والابتعاد عن هيمنة سلاسل الإمداد المرتبطة بالتكنولوجيات البديلة مثل التحلية بالأغشية.

وتجسّد التجربة السعودية شمولية المسارات وتكامل الحلول الضرورية لإنجاح فك الارتباط، حيث قامت المملكة بتوطين صناعة أغشية التحلية، وتعدين الرجيع الملحي كرافد مالي وبيئي، وصولاً إلى تعزيز كفاءة استخدام المياه بإنشاء «المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه».

وهذا التكامل هو مثال لآلية فك التلازم التقليدي الذي لا يمكن اختزاله في المفاضلة الاقتصادية بين تقنيات الإنتاج فحسب، بل هو تحوّل هيكلي يستوجب استجابة تنظيمية توفر قوة الدفع والمواءمة الشاملة لمقتضيات هذا المسار.

وتجد هذه الاستجابة سندها في قانون حماية البيئة، الذي يشكّل المظلّة القادرة على توحيد جهود مؤسسات الدولة وربط المسارات الفنية والتنظيمية ضمن رؤية وطنية متكاملة.

فمن خلال تفعيل أحكامه المعنية برسم السياسة العامة البيئية وإعداد استراتيجيات كفاءة الموارد وحمايتها من الاستنزاف، يوفر هذا التشريع الركيزة الكفيلة بدعم صلابة منظومة مياه الشرب واستدامتها.

إن الاضطلاع الفعلي بهذا الدور القيادي والرقابي المنوط بتطبيق القانون هو الأداة الكفيلة بتعزيز استدامة تدفقات مياه الشرب، ودعم الاستخدام الأمثل لمقدرات الدولة بما يحفظ عوائدها الاستراتيجية، وصولاً إلى تحقيق تطلعات الدولة نحو استدامة الموارد والحياد الكربوني.

* دكتوراه في نُظم الطاقة من كلية لندن الجامعية (UCL) وباحث متخصص في تقاطع ملفات الطاقة والمياه والتنمية المستدامة

back to top