في المرمى: الجماهير... اللاعب الذي لا يُستبدل
قبل صافرة البداية لبطولة كأس العالم، انشغلت التقارير العالمية والأخبار المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالحديث عن ارتفاع أسعار التذاكر، وتخوّفَ كثيرون من أن تتحول المدرجات إلى مشهد باهت لا يليق بأكبر بطولة كروية في العالم، خصوصاً مع اعتماد سياسة التسعير المتغير وارتفاع أسعار بعض المباريات إلى مستويات غير مسبوقة، ما أعاد الجدل حول قدرة المشجع العادي على تحمل كلفة الحضور، حتى أن بعض مباريات الأيام الأولى شهدت نقاشاً واسعاً بسبب وجود مقاعد شاغرة، لكن مع توالي المباريات، بدا أن كأس العالم وجد لاعبَه الأهم والأول وهو الجماهير.
فما يحدث في المدرجات لا يقل إثارة عما يحدث داخل الملعب، الأهازيج، والأعلام، والألوان، وحتى طرق التشجيع والاحتفالات التي حوّلت البطولة إلى مهرجان عالمي، وأثبتت أن كرة القدم بلا جمهور تفقد جزءاً كبيراً من روحها، مهما بلغت قيمة النجوم داخل المستطيل الأخضر.
ولعل أحد أهم أسباب نجاح الحضور الجماهيري يعود إلى حسن التخطيط في توزيع مباريات كل مجموعة على مدن متقاربة جغرافياً، وهو قرار خفّف كثيراً من أعباء التنقل بين المدن، وقلل التكاليف على المشجعين، ومنحهم فرصة مرافقة منتخباتهم من مباراة إلى أخرى بسهولة أكبر، رغم اتساع رقعة الدول الثلاث المستضيفة.
كما لعبت الجاليات المقيمة دوراً محورياً في رسم المشهد، فوجود ملايين المهاجرين من مختلف الجنسيات في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك منح كثيراً من المنتخبات أفضلية جماهيرية حتى خارج أوطانها، فجماهير كمصر والمغرب، والأرجنتين، والبرازيل، وكولومبيا، وغيرها من الجماهير الأوروبية، فضلاً عن الدول المستضيفة، صنعت أجواءً جعلت بعض المباريات تبدو كأنها تقام على أرض أصحابها، بينما فرضت جماهير منتخبات أقل جماهيرية حضورها أيضاً بفضل أبناء الجاليات المنتشرين في أميركا الشمالية.
وربما كان أجمل ما في هذه النسخة أنها أثبتت أن الجماهير ليست مجرد متفرج، بل عنصر مؤثر في البطولة، هي التي تمنح المباريات نبضها، وتضاعف حماس اللاعبين، وتحوّل كل هدف إلى قصة، وكل انتصار إلى احتفال عابر للقارات.
بنلتي
قد يربح منتخب ثلاث نقاط، وقد يخسر آخر بطاقة التأهل، لكن الفائز الأكبر هو كرة القدم نفسها عندما تمتلئ المدرجات بالحياة، ففي كرة القدم والرياضة عموماً، يبقى الجمهور هو اللاعب الوحيد الذي لا يمكن استبداله، وصوته أحياناً يصنع الفارق أكثر من أقدام النجوم... فقط تمعّنوا في طريقة الجماهير النرويجية بالتشجيع واحتفالية منتخبها بعد ذلك بمعيتهم لتتعرفوا على كم التأثير.