رياح وأوتاد: طبعاً دولة إسلامية
قال صديقي: أنت دائماً تحشر الآيات والأحاديث وسيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، في مقالاتك، فهل نحن دولة إسلامية كاملة؟ وهل مجتمعنا مثالي كمجتمع الصحابة حتى تطلب منّا الالتزام بالآيات والأحاديث وأفعال الرسول، صلى الله عليه وسلم؟، وقال أيضاً: نحن مجتمع فيه كثير من الظروف الواقعية المخالفة للمثالية، انظر إلى ممارسات مجلس الأمة وكيف أضروا البلد بالواسطات والتدخلات والقوانين السيئة.
قلت له: طبعاً نحن دولة إسلامية، بلا شك، وهذا معروف عن الكويت منذ تأسيسها، كما نصّ عليه الدستور في المادة الثانية، وبناء على هذا الفهم أيضاً لا يجوز أن تعوق أي ممارسات سيئة العودة إلى أحكام الدين كلّما أمكن ذلك، فلا ينقض أصل أي دولة في العالم وجود ممارسات فردية سيئة فيها مخالفة لثوابتها وأصولها، لذلك، فإن الاستشهاد بالآيات والأحاديث إنما هو وسيلة سلمية تقوم على القناعة والتدرج للعودة إلى الأصل الشرعي والتاريخي والدستوري، ولإيقاف الممارسات السيئة والأخذ بكل ما جاء من جمال وكمال ومصالح تحققها الشريعة.
كما يجب ألّا ننسى أنه إضافة إلى الممارسات السيئة في مجلس الأمة، فإنه توجد به ممارسات جيدة وحققت كثيراً من مصالح الدولة والشعب، منطلقة من نص المادة الثانية من الدستور التي حملت مجلس الأمة أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك.
وما دمنا نتحدث عن هذا الأصل، فقد قام المجلس بتقنين عدد كبير من الأحكام الشرعية؛ مثل قوانين القُصَّر والوقف والزكاة والقانون المدني وقانون الأحوال الشخصية وبعض مواد قانون الجزاء وقانون الاختلاط وقانون الخمر وقانون إلزام شركات الاكتتاب العام بأحكام الشريعة في معاملاتها، وبعض القوانين الأخرى المتعلقة بقيَم المجتمع وأخلاقه، وكذلك لا يجوز أن ننسى دور المجلس في الرقابة، خاصة الرقابة المالية التي حفظت أملاك الدولة وجلبت الملايين من الأموال المنهوبة ولاحقت الفساد.
أما السلبيات فلا ننكرها، خصوصاً في المجالس الأخيرة، ولكن كان على الحكومة أن تتصدى لها وتوقفها إذا أرادت ذلك، خاصة أنها تملك معظم الصلاحيات الدستورية، ويوجد في المجلس من النواب المخلصين مَن سيعينها في ذلك، وبذلك سيتحقق الأصل الشرعي والالتزام الدستوري.
وفي مقال الأسبوع الماضي بمناسبة الهجرة النبوية وسيراً على المنهج نفسه، ضربت أمثلة من سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، في إنشاء أول دولة إسلامية في المدينة المنورة، وكيف أرسى دعائمها على الشورى والعدالة والمساواة بين المسلمين، وتقديم الكفاءات ومنع التنابز أو تعيير أي إنسان بأمه أو أصله أو قبيلته، وكنت أعلم أن هذا الطرح الشرعي سيجد مَن يعارضه ممّن يريدون التحلل من الأحكام الشرعية لحصر الامتيازات بأنفسهم وحدهم، ولا يشاركهم فيها أحد مهما كان مخلصاً وتتو فر فيه كل الشروط.
إن المعارضة يجب أن تُنصَب، والغضب يجب أن يوجّه ليس للاستشهاد بالآيات والأحاديث، وإنما إلى الحسابات المسيئة التي تنشر الأكاذيب على دين الدولة وقيمها الأساسية واقتصادها، وتعمل على تشويه رجال الدولة من الوطنيين والرموز الدينية والسياسية الذين خدموا البلاد بسبب إشاعات أو خلافات يمكن مناقشتها بالطرق العلمية، وقد قمت بتتبُّع بعض ما نُشر من أكاذيب عن طريق الشكوى للقضاء ووزارة الداخلية، فوجدت أن أكثرها يُنشر بأسماء وهمية من داخل البلاد وخارجها، وكذلك من الخارج بأسماء حقيقية، لكنها هاربة من أحكام قضائية في الكويت، ومن المؤسف أن يتناقل بعض الناس هذه الأكاذيب من دون معرفة هوية ناشرها وأهدافه وأي أدلة يستند إليها، لذلك، فإن من واجب وزارة الداخلية والقضاء أن يقوما بحماية المجتمع من هذه المواقع؛ سواء كانت من الداخل أو متسربة من الخارج، ووضع أشد العقوبات على مرتكبيها، لأن ما تقوم به هذه الحسابات هو تفتيت خطير للمجتمع وآفة مرضية يجب وقفها، وذلك لأن باب النقد البنّاء مفتوح للجميع، وبإمكان أي ناقد ومدون أن يشرح انتقاده، مع ذكر ما يشاء من الأمثلة والأدلة المقنعة التي تعزز رأيه، وأن يلتزم بالأخلاق الإسلامية والتشريعات الكويتية في نقده من دون أي إساءة لأحد.