في المرمى: «المونديال... بطولة» لا تعترف بالتاريخ
منذ انطلاقة كأس العالم، اعتاد المتابعون أن يرشحوا المنتخبات صاحبة التاريخ والألقاب قبل صافرة البداية، لكن المستطيل الأخضر يصر في كل نسخة على توجيه رسالة واحدة، وهي «التاريخ يُحترم... لكنه لا يلعب».
النسخة الحالية تقدم الدليل تلو الآخر، فها هو منتخب الرأس الأخضر، الذي يخوض أول مشاركة مونديالية في تاريخه، فرض التعادل على إسبانيا، أحد أبرز المرشحين لحمل الكأس، ليؤكد أن الفوارق بين الكبار والصغار لم تعد كما كانت، ولم تكن هذه المفاجأة الوحيدة، فمنتخب الكونغو الديموقراطية خرج بنقطة ثمينة أمام البرتغال، في مباراة أثبت فيها أن التنظيم والانضباط قد يعادلان الفوارق الفنية والأسماء اللامعة.
أما كوراساو، أصغر المنتخبات المشاركة من حيث المساحة وعدد السكان، فبعد السقوط أمام ألمانيا في مباراتهما الافتتاحية بسبعة أهداف ظن الجميع أنه سيكون اللقمة السائغة لبقية فرق المجموعة إلا أنه نجح في تحقيق أول نقطة تاريخية له في مسابقة كأس العالم عبر التعادل مع الإكوادور، المنتخب الذي يملك خبرة مونديالية أكبر وتجارب متراكمة في البطولة، ليبرهن أن الإعداد الجيد، إلى جانب الإيمان بالحظوظ، والعزيمة على تقديم ما يسعد الجماهير، قد يكون أكثر قيمة من سجل المشاركات.
هذه النتائج لا تعني أن الكبار فقدوا هيبتهم، لكنها تؤكد أن كرة القدم الحديثة أعادت توزيع موازين القوة. تطور أساليب التدريب، وانتشار الاحتراف، وسهولة الوصول إلى العلوم الرياضية وتحليل الأداء، كلها عوامل منحت المنتخبات الأقل شهرة القدرة على منافسة عمالقة اللعبة.
في كأس العالم لا تُمنح النقاط بناءً على عدد النجوم فوق الشعار، ولا تُحسم المباريات بتاريخ البطولات السابقة، فكل نسخة تكتب تاريخها بنفسها، وكل مباراة تبدأ من الصفر، ولهذا يبقى المونديال ربما البطولة الوحيدة التي لا تعترف إلا بما يحدث خلال تسعين دقيقة.
بنلتي
إذا كانت كرة القدم العالمية قد أثبتت أن العمل والتخطيط قادران على تقليص الفوارق فإن الرسالة تصل إلينا قبل غيرنا، فالرهان لم يعد على التاريخ أو الأسماء، بل على مشروع حقيقي يواكب التطور، ومن يكتفي بمشاهدة العالم يتقدم سيبقى يروي أمجاد الماضي، بينما يصنع الآخرون مستقبل اللعبة.