جدل أميركي - إيراني حول «التنازلات»

روبيو في الخليج لطمأنة الحلفاء... ولجنة إيرانية - عُمانية لبحث تكاليف خدمات «هرمز»

نشر في 24-06-2026
آخر تحديث 23-06-2026 | 21:13

لم يمنع الحديث عن تقدم في المفاوضات التي جرت في سويسرا، إثارة جدل أميركي - إيراني، طغى على المشهد السياسي، بشأن طبيعة «التنازلات» وتفسير بنود مذكرة التفاهم الجديدة ونتائج تلك المفاوضات، بعدما تمسكت طهران برفض تفتيش منشآتها النووية المدمرة ورفض أي وصاية أميركية على الأموال المفرج عنها، في وقت أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران وافقت «على أعلى مستويات التفتيش النووي إلى الأبد» وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.

ومع اختتام المحادثات الفنية الأميركية - الإيرانية في سويسرا بوساطة باكستانية - قطرية، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده لا تخطط للسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش المواقع التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي، مؤكداً أن إيران ستكون «صاحبة القرار الوحيد» بشأن كيفية استخدام أرصدتها التي ستُرفع عنها العقوبات، في وقت شدد السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة علي بحريني على رفض أي «تدخل خارجي» في إدارة تلك الأموال.

في المقابل، دافع ترامب بقوة عن الاتفاق في مواجهة انتقادات داخلية، معتبراً أن طهران قدمت «تنازلات كبرى»، وأن الأموال الإيرانية المفرج عنها ستوضع في حسابات خاضعة للرقابة الأميركية لاستخدامها في شراء الغذاء والدواء من الولايات المتحدة، كما أكد أن المضيق سيبقى مفتوحاً، مع إبقاء القطع البحرية الأميركية في مواقعها تحسباً لأي تطورات.

ووسط المخاوف الخليجية من تداعيات التفاهم، بدأ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جولة تشمل الإمارات والكويت والبحرين، حاملاً رسائل طمأنة إلى حلفاء واشنطن في المنطقة، وسط اتهامات لإدارة ترامب بتقديم تنازلات مفرطة لطهران، خصوصاً فيما يتعلق بـ «هرمز» وصندوق إعادة إعمار إيران البالغة قيمته 300 مليار دولار.

وفي تطور لافت، أعلنت إيران وسلطنة عُمان تشكيل لجنة مشتركة لبحث «الإدارة المستقبلية للملاحة» في «هرمز» والخدمات والتكاليف المرتبطة بالممر البحري، بينما أكد بيان مشترك التزام الجانبين بضمان العبور الآمن وفق القانون الدولي مع التشديد على «الحقوق السيادية» للبلدين. 

وتأتي هذه الخطوة وسط تصاعد القلق الإقليمي والدولي من أي ترتيبات جديدة قد تمنح طهران نفوذاً أوسع على أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

وعلى الرغم من تحسن المرور في المضيق، أصرّ الحرس الثوري على أنه سيسمح «لعدد محدد» من السفن فقط بعبوره.

وفي تفاصيل الخبر:

مع اختتام محادثات فنية أميركية - إيرانية بوساطة باكستانية - قطرية في منتجع بورغنشتوك بسويسرا، طفت تباينات صريحة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن تفسير بنود «مذكرة التفاهم»، التي أبرمت بينهما بهدف إنهاء الحرب وإبرام اتفاق شامل في غضون 60 يوماً، إذ أكد المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن بلاده لم تسمح بعودة التفتيش الدولي للمنشآت الذرّية التي قصفتها أميركا وإسرائيل، وزعم أنها حُرّة باستخدام أي أرصدة مالية يتم فكّها من قبل واشنطن، في وقت أكد الرئيس دونالد ترامب أن طهران قبلت بعودة التفتيش إلى الأبد، وبضمان حرية الملاحة دون فرض أي رسوم في مضيق هرمز.

وهاجم الرئيس الجمهوري، الذي يواجه عاصفة من الانتقادات الداخلية جراء خطوته غير المكتملة للتفاهم مع طهران، ما وصفها بـ «حملة التضليل الإعلامي المكثفة»، الرامية إلى «تهميش انتصار الولايات المتحدة»، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية وافقت بشكل كامل ونهائي على أعلى مستويات التفتيش النووي لفترة طويلة تمتد إلى ما لا نهاية، وهو ما سيضمن «الشفافية الذرّية».

وفي ظل معلومات عن تضمين الاتفاق المبدئي بنوداً سريّة بين الجانبين، قال ترامب في تدوينة عبر منصته «تروث سوشيال»: «لو لم توافق إيران على ذلك وعلى تنازلات أخرى كبيرة، لما كانت هناك مفاوضات أخرى»، في إشارة إلى بدء مسار التفاوض الممتد لـ 60 يوماً، بعد اجتماع نائبه جي دي فانس ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف بالوفد الإيراني برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي في جنيف أمس الأول.

ترامب يتحدث عن تنازلات إيرانية كبرى... وجدل حول إلزام طهران بشراء منتجات زراعية أميركية

وأضاف: «طهران وافقت على إبقاء هرمز مفتوحاً، دون فرض حصار بحري إضافي. ومع ذلك، ستبقى جميع السفن الحربية في مواقعها تحسُّباً لإعادة فرض الحصار، وهو أمر يبدو مستبعداً للغاية في الوقت الراهن». ولفت إلى أن «الأموال الإيرانية المجمدة التي ستُفرج عنها وزارة الخزانة الأميركية ستُودع في حساب ضمان تحت سيطرة الولايات المتحدة، وستُستخدم لشراء المواد الغذائية والإمدادات الطبية، حصرياً من الولايات المتحدة، بما في ذلك الذرة والقمح وفول الصويا من مزارعينا الأميركيين، وهذه مواد تحتاجها إيران بشدة لتفادي أزمة إنسانية، وأشعر بضرورة تقديم المساعدة الآن، قبل فوات الأوان». واختتم بالإشارة إلى أن «المحادثات تسير على ما يرام».

وفي تغريدة منفصلة، ذكر ترامب أن «19 مليون برميل من النفط تدفقت عبر (هرمز) أمس، في مستوى قياسي غير مسبوق»، مشدداً على أن «أسعار النفط تتراجع، والعالم أصبح أكثر أماناً».

وكان فانس عقب مشاركته في المحادثات الرفيعة المستوى بسويسرا، قد أشار إلى آلية محتملة للرقابة تضمن عدم استخدام الأصول الإيرانية في «تمويل الإرهاب». 

تباين إيراني

وفي تناقض صريح للتصريحات الأميركية، أكد مندوب إيران بالأمم المتحدة، علي بحريني، أن بلاده هي الوحيدة التي ستقرر كيفية التصرف في أصولها التي سيتم رفع التجميد عنها، ولن يكون لأي دولة أو كيان آخر رأي في كيفية استخدامها. ورفض بحريني «أي مزاعم بشأن أن يكون لأي دولة أخرى تأثير على تلك القرارات أو تلك العمليات».

كما حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن «التصريحات الخارجة عن النص المتفق عليه لا تساعد في دفع المفاوضات قُدماً»، لكنه شدد على أن «العديد من مشاكل المنطقة ستُحل إذا تم تنفيذ كل بنود مذكرة التفاهم».

وفي جانب آخر من التباين، ذكر المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية أن وفد بلده المفاوض لم يعقد أي اجتماع مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في جنيف»، مشدداً على أن طهران لا تخطط للسماح للوكالة بتفتيش المنشآت النووية التي تضررت جراء العدوان العسكري».

ورأى أنه «يجب تنفيذ 5 بنود من مذكرة التفاهم بالكامل قبل التفاوض بشأن الملف النووي ودور وكالة الطاقة الذريّة».

وكان فانس قد صرح، في وقت سابق، بأن الإيرانيين وافقوا على دعوة مفتشي الوكالة الدولية للعودة إلى البلاد، واصفاً ذلك بأنه «خطوة كبيرة» سيتبعها نقاش بشأن استئناف عمليات التفتيش، حيث تسعى واشنطن لتحديث رؤيتها عن قرب للمواقع التي تم قصفها، التي يعتقد أنها تحتوي على اليورانيوم العالي التخصيب الذي يكاد يقترب من مستوى صنع الأسلحة الذرّية.

وفي واحدة من أكثر النقاط حساسية بمذكرة التفاهم، شدد كبير المفاوضين الإيرانيين على أن الأوضاع في «هرمز» لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، مؤكداً أن الممر المائي الرابط بين الخليج وبحر العرب سيظل «تحت إدارة» بلده. 

وفي موازاة بروز التباين العلني بشأن ملفات التفاهم الرئيسية، ذكر مندوب إيران لدى الأمم المتحدة، تعليقاً على سقوط قتيلين في جنوب لبنان بهجوم إسرائيلي، أن أي انتهاك لمذكرة التفاهم التي تنص على وقف النار بكل الجبهات سيضع تحديات أمام جهود التفاوض»، محذّرا من بلده سترد على أي اختراق بشكل أو بآخر.

وأضاف أن إيران تعتبر لبنان جزءاً «غير قابل للتشكيك» ضمن التفاهمات القائمة، مؤكداً أنه «ينبغي ألا تكون هناك هجمات جديدة» على «حزب الله»، وأن القوات الإسرائيلية مطالَبة بالانسحاب من الأراضي اللبنانية.

تفاهم واستدامة

جاء ذلك في وقت أفاد نائب وزير الخارجية، رئيس الفريق الفني التفاوضي الايراني، كاظم غريب آبادي، باختتام المحادثات الرباعية في جنيف والتوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات المحادثات القادمة. ولفت إلى تشكيل 4 مجموعات عمل معنية بإنهاء العقوبات، والقيود النووية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، والرصد والتنفيذ»، إضافة الى إنشاء وحدتَي تواصل لمنع الحوادث في لبنان وتأمين حرية الملاحة بـ «هرمز».

في هذه الأثناء، أكد رئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، الذي يقود الوساطة بين طهران وواشنطن أن مذكرة التفاهم ستتحول إلى اتفاقية طويلة الأمد بعد 60 يوماً، قبيل استقباله الرئيس الإيراني ووزير خارجيته في إسلام آباد.

ترحيب وتطمين 

جاء ذلك في وقت رحّب الاجتماع الوزاري الخليجي التنسيقي، الذي عقد على هامش اجتماعات الجامعة العربية في عمّان، بتوقيع مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، بجانب تأكيد دعم جهود الوساطة والتهدئة، في حين أشار الأمين العام للمجلس، جاسم البديوي، إلى أن الخطوة تسهم في الوصول إلى اتفاق نهائي وشامل يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

الى ذلك، استهل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمس، جولة خليجية من الإمارات تشمل الكويت والبحرين، ومن المفترض أن تنتهي باجتماع وزاري أميركي - خليجي في المنامة. 

وقالت وسائل إعلام أميركية إن روبيو يحمل رسائل طمأنة لدول الخليج، وسط اتهامات لإدارة ترامب بتقديم تنازلات مفرطة لطهران. 

ويقول مراقبون إن هناك تخوفاً دولياً وإقليمياً من أن تقر واشنطن بسيطرة إيران على مضيق هرمز بطريقة تسمح لطهران بفرص رسوم أو عرقلة الملاحة عندما ترى حاجة إلى ذلك. 

كما أثار بند تأسيس صندوق لإعادة إعمار بشراكة إقليمية تساؤلات عن التمويل، وسط إصرار خليجي على عدم التعاون الاقتصادي مع إيران قبل إعادة بناء الثقة. وتتصاعد المطالبات الخليجية بضرورة إلزام إيران بدفع تعويضات عن عدوانها على دول الخليج. 

حوار «هرمز»

في السياق، أكد سلطان عمان، هيثم بن طارق، لدى استقباله وفد التفاوض الإيراني في مسقط أمس، دعمه للمفاوضات الإيرانية ـ الأميركية، معرباً عن تطلّعه لتحقيقها النجاح، وصولا إلى تسوية سلمية ونهائية لكل الملفات العالقة، وفي مقدمتها استئناف وانسياب حركة وسلامة الملاحة عبر «هرمز».

من جهته، ذكر قاليباف أن «طهران ومسقط شكّلتا لجنة مشتركة لمناقشة إدارة (هرمز)، والتفاصيل لم تُحدد بعد».

وأعلنت سلطنة عمان وإيران، في بيان مشترك «التزامهما بضمان العبور الآمن عبر المضيق، بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي، مع التشديد على سيادتهما وحقوقهما السيادية على مياههما الإقليمية في الممر المائي».

وبحسب البيان «اتفق الجانبان على مواصلة الحوار بشأن هذه المسألة من خلال فريق عمل مشترك بشأن الإدارة المستقبلية للملاحة في (هرمز) والخدمات التي ستُقدَّم بهذا الشأن والتّكاليف المُرتبطة بها وفقًا للمعايير الدولية. وفي هذا السياق، اتفق الجانبان على عقد مناقشات مع الدول المُشاطئة في المنطقة ومع أي أطراف أخرى ذات صلة».

ميدانياً، تعززت التقارير الواردة بشأن تحسُّن حركة الناقلات عبر «هرمز»، فيما زعم «الحرس الثوري» أنه يسمح لعدد محدد من السفن بعبور المضيق يومياً.

back to top