هيا العجمي تروي حكايات كويتية في متحف داخل منزلها

بين دفاترٍ قديمة وثوب أمها ومقتنيات نادرة تفوح منها رائحة الماضي

نشر في 24-06-2026
آخر تحديث 23-06-2026 | 18:48

قبل أن تقع عيناك على أول قطعة تراثية، تستقبلك رائحة الماضي، دفاتر مدرسية خطت عليها أسماء أصحابها قبل عشرات السنين، مجلات قديمة، مذكرات شخصية، أثواب وأدوات منزلية، وصور تحفظ ملامح زمن لم يعد موجوداً إلا في ذاكرة من عاشه.

داخل هذا المكان، لا تبدو المقتنيات مجرد معروضات، بل صفحات من حياة الكويت القديمة، أعادت هيا العجمي ترتيبها بعناية لتصبح متحفاً يحمل اسم «بيت هيا»، الذي افتتح عام 2021، ويعد أول متحف تراثي خاص تؤسسه امرأة كويتية، وأصبح اليوم وجهة للمهتمين بالتراث الكويتي وتاريخ الحياة الاجتماعية.


أوان تراثية وتلفاز قديم أوان تراثية وتلفاز قديم

وراء هذا المشروع تقف امرأة آمنت بأن الأشياء القديمة لا تفقد قيمتها مع الزمن، لكنها تؤكد أن الحكاية لم تبدأ من المتحف، بل من والدتها «صيتة».

تقول هيا إن أول ما احتفظت به كان ثوب والدتها، ليس لقيمته المادية، وإنما لأنه كان يحمل رائحة الأم وذكرياتها. كانت ترى والدتها ترتديه وتحبه، وبعد رحيلها شعرت أن الاحتفاظ به ليس مجرد احتفاظ بثوب، بل بأثر إنسانة تركت بصمة كبيرة في حياتها.

وتوضح أن والدتها كانت تحرص على الاحتفاظ بكل ما يحمل قيمة أو ذكرى، من الملابس والتطريزات القديمة، إلى المقتنيات العائلية التي تجاوز عمر بعضها مئة عام، وكانت تؤمن بأن ما يتركه الإنسان خلفه هو جزء من تاريخه، وأن الأشياء الجميلة لا يجوز أن تضيع مع مرور الزمن.

لكن التأثير الأكبر، كما تقول هيا، لم يكن في المقتنيات نفسها، بل في شخصية والدتها، فقد كانت امرأة بدوية قوية، شجاعة، حكيمة، تحفظ الشعر والروايات والقصص الشعبية، وتروي لأبنائها الحكايات وتربط كل مثل أو حكمة بقصة تحمل معنى. وتؤكد هيا أنها تأثرت بوالدتها أخلاقياً وفكرياً قبل أن تتأثر بحبها للتراث، وأن ما ورثته منها لم يكن الثوب وحده، بل منظومة كاملة من القيم والمعرفة وحب التاريخ.

من هنا بدأت الرحلة، جمعت هيا ما بقي في منزل العائلة، ثم انتقلت إلى بيوت الأقارب والصديقات والمعارف، قبل أن تتوسع في جمع المقتنيات من داخل الكويت وخارجها، حتى أصبح لديها أرشيف يوثق تفاصيل الحياة الكويتية القديمة.

وحين رأت أن هذه المقتنيات أصبحت تمثل ذاكرة متكاملة، خصصت جزءاً من منزلها ليكون «متحف بيت هيا»، الذي يضم اليوم الأثواب التقليدية، والأدوات المنزلية، والمجلات، والوثائق، ودفاتر الدراسة، والمذكرات الشخصية، وغيرها من المقتنيات التي تعكس تفاصيل المجتمع الكويتي في الماضي.


مقتنيات أخرى من المتحف
مقتنيات أخرى من المتحف

ولا تكتفي هيا بعرض هذه القطع، بل ترافق الزائر في رحلة بين القصص والذكريات، مستندة إلى ما ورثته من والدتها من معرفة بالشعر والأدب والبادية والعادات والتقاليد، لتتحول كل قطعة إلى حكاية، وكل زاوية إلى صفحة من تاريخ الكويت.

ورغم أنها شاعرة، فإنها اختارت ألا تنشر قصائدها، مفضلة أن يروي متحفها الحكاية بطريقته الخاصة وتؤمن بأن الحفاظ على التراث لا يقتصر على جمع المقتنيات، بل يبدأ بحفظ القيم والقصص والذاكرة ونقلها إلى الأجيال القادمة، تماماً كما فعلت والدتها معها.

ما إن تنتهي من زيارة متحفها حتى تدرك أن الزمن عاد إلى ذاكرتك لينعش تفاصيل عشتها في طفولتك أو في ماضي سمعت به، ففي وقت تتسارع به وتيرة الحياة، ويغيب الكثير من تفاصيل الماضي، يقدم «بيت هيا» نموذجاً لمبادرة فردية نجحت في حماية جزء من الذاكرة الوطنية، مؤكداً أن الحفاظ على التراث لا يبدأ دائماً من المؤسسات، ولكنه قد يبدأ من ثوب أم... آمنت ابنتها بأن وراءه تاريخاً يستحق أن يبقى.

back to top