أوجاع لا يعترف بها أحد
مَن الذي يقرر أن بعض الأوجاع والأحزان تستحق الاعتراف، بينما يُطلب من أصحاب أوجاعٍ أخرى أن يطووها بصمت ويمضوا في حياتهم؟ السؤال ليس عن حجم الألم، فالألم لا يقبل المقارنة، وإنما عن الطريقة التي ننظر بها إلى الخسارة، مَن يملك حق شرعية الحزن أصلاً؟
فالمجتمع يمتلك طقوساً واضحة للموت، نعزي، ونواسي، ونمنح الحزن وقته الطبيعي، لكن الحياة لا تقتصر على ما نفقده بالموت، ثمة خسارات أخرى لا تجد اسماً، ولا طقوساً، ولا حتى اعترافاً بأنها تستحق الحداد.
قبل فترة، أخبر طبيب أسرة شاب تعرّض لحادث أن ابنهم تجاوز مرحلة الخطر، لكنه فقد ذاكرته، كان الخبر بالنسبة إلى الجميع باعثاً على الطمأنينة، فالابن نجا، وعاد إليه وعيه، وانتهى الخوف من فقده، لكن المشهد الحقيقي بدأ عندما دخلت أمه إلى غرفته، اقتربت من سريره، ونادته باسمه الذي عاش معها منذ ولادته، ورددته في دعائها له سنوات طويلة، نظر إليها بهدوء، ثم قال: من أنت؟ في تلك اللحظة، لم يمت أحد، ومع ذلك، كان واضحاً أن شيئاً لا يقل قسوة عن الموت قد حدث.
ذلك المشهد لم يجعلني أفكر في فقدان الذاكرة بقدر ما جعلني أفكر في الأوجاع التي لا يعترف بها أحد، فنحن نجيد مواساة من فقد إنساناً، لكننا نتردد كثيراً في الاعتراف بالأوجاع التي لا تُرى، وقد نطالب أصحابها بالتعافي قبل أن نفهم حجم ما فقدوه، وكأن الزمن وحده كفيل بإصلاح كل ما انكسر.
المشكلة ليست في الألم، فالألم يعرف طريقه إلى كل إنسان، بل في الاعتراف به، فالإنسان يستطيع أن يتحمل خسارة كبيرة إذا شعر أن من حوله يفهمونها، لكنه ينهار بصمت حين يشعر أن أكثر ما انكسر فيه لا يراه أحد، أو على وجه الدقة لا يعدّه الآخرون خسارة تستحق الوقوف عندها.
فالاعتراف بالألم لا يعني الشفقة، بل الاعتراف بإنسانية من يحمله، حين يشعر الإنسان أن خسارته مفهومة، يصبح أكثر قدرة على التعايش معها، أما حين يُطلب منه أن ينكرها أو يقلل منها، فإنه لا يخسر ما فقده مرة واحدة، بل يعيشه من جديد كلما أُجبر على التظاهر بأن شيئاً لم يحدث، ولذلك بعض الخسارات تسكن القلب بصمت وتقيم عزاء لا أحد يعلم به.
وربما لهذا السبب، أصبح كثير من الناس يتقنون إخفاء أوجاعهم أكثر من التعبير عنها، يبتسمون، ويذهبون إلى أعمالهم، ويشاركون الآخرين أحاديثهم اليومية، بينما يحمل كل واحد منهم خسارة صامتة لا تجد شاهداً عليها، ليس لأنهم تجاوزوا ما فقدوه، بل لأنهم أدركوا أن العالم لا يمنح الوقت للحزن إلا إذا اقتنع أولاً بأنه حزن مشروع.
حين خرجت من المستشفى، التفتُّ إلى الخلف مرة أخيرة، كانت الأم لا تزال واقفة عند سرير ابنها، تناديه باسمه، لحظتها، لم أكن أعرف إن كانت تحاول أن تعيد إليه ذاكرته... أم كانت تحاول أن تحافظ على آخر خيطٍ يربطها به.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت أحداً يقول لإنسان: «تجاوز»، توقفت قليلاً قبل أن أوافقه.
فليست المشكلة أن بعض الأوجاع أكبر من أن تُنسى، المشكلة أن كثيراً منها لا يجد من يعترف بأنه كان وجعاً وخسارة أصلاً.